الطموح عند البعض ليس له سقف ولا حدود، وخصوصاً الطموح في التعّلم، والاستزادة من العلم. ولهذا، قد يفكر البعض في إكمال دراسته الجامعية بعد تجاوز سن معينة، وقد مضت سنون طويلة على حصوله على الثانوية العامة، وقد لا تسمح له الظروف بأن يكمل دراسته في وقتها، ويأتي عليه وقت ويجد أنه يريد نيل شهادة البكالوريوس في تخصص ما، ويبدأ في البحث عن جامعة لقبوله، ولكنه ينصدم برد من رئيس جامعة ما معروفة بالرفض ويخبره أنه تجاوز سن الدراسة ومضى على حصوله على الثانوية العامة سنوات طوال، وقد تكون تبخرت معلوماته، أو لأن عمره تجاوز سناً معينة وما عاد في سن الطلبة الحاليين. وهذا ما حدث لإحداهن التي أخبرتني بهذا ولكنها ردت عليه بكل جرأة وثقة: وما أدراك يا حضرة المسؤول أن معلوماتي تبخرت؟ فسكت للحظة وأكمل: ابحثي عن جامعة تقبلك ستجدين، هنا لا نستطيع أن نفعل شيئاً وهذا نظام الجامعة.
الحديث هنا ليس من رد المسؤول المحبط لهذه الطموحة، ولا عن نظام الجامعة الذي يعوق حقاً من حقوق أي إنسان ما دام يستطيع دفع الرسوم الدراسية، وعنده الطموح لإكمال مسيرته العلمية والتعلمية، بل التساؤل: هل بالفعل يأتي على المرء وقت تتبخر فيه المعلومات التي قرأها أو درسها في أي مرحلة من مراحل حياته؟ أو هل هناك فعلاً سن معينة يتوقف عندها التعلم أو دخول الجامعات لإكمال الدراسة؟
علم النفس المعرفي يبيّن أن المعلومات التي لا تُراجع ولا توظُف عملياً قد تتعرض لما يُعرف بمنحنى النسيان، وهو التراجع التدريجي في المقدرة على استرجاعها، ولكن هذا لا يعني زوالها بالكامل أو تبخرها، بل يعني أنها تحتاج إلى تنشيط وإعادة تدريب، لأن المعارف تبقى كامنة في الذهن، وما إن يبدأ الإنسان بالمراجعة حتى يستعيدها بسرعة تفوق ما يتوقع هو والآخرون، وأما مسألة العمر فالأبحاث في علوم الأعصاب تؤكد أن الدماغ يحتفظ بقدرته على التعلم حتى مراحل متقدمة من الحياة.
إذاً، لا المعلومات تتبخر كلياً، ولا التعلم يتوقف عند سن معينة، ما يتوقف هو قرار الإنسان إن سمح للإحباط أن يغلبه.