يحيى زكي
اتسم العالم في الماضي بقدر كبير من الشاعرية والرومانسية واستعمال الخيال، حتى في تلك الحقب التي سادتها النزعة الواقعية بداية من السياسة وحتى الآداب والفنون. اكتسبت هذه الشاعرية ثقلها وأصولها وفصولها من قدر من الغموض كنا نشعر به عند التعاطي مع مختلف مكونات الواقع التي تحيط بنا. غموض يعود إلى كثير من الأسئلة التي كانت معلقة في مجالات عدة، ففي كل حقل أو موقف كان هناك أحد الأسئلة ينتظر الإجابة، وكانت تلك الأخيرة تتطلب البحث والدراسة والتقصي، وتميزت تلك الإجابات بأنها جاءت ناقصة أو تتضمن جزئية تحتاج إلى مزيد من الشرح، أي تنتظر دوماً العقلية المجددة المبتكرة.
كان الغموض ضرورياً للسياسي لكي يعد بتحقيق ما يحلم به، حيث أمامه الكثير من الخطط والأحلام والمشروعات والفرص لكي يجرب في هذا المجال أو ذاك، وضرورياً أيضاً للروائي لكي يتوغل بمشرطه في تعقيدات النفس الإنسانية ويكشف المخبوء في أعماقها، وللشاعر لكي ينتج صوراً جديدة وغير متوقعة. كان غموض العالم شرطاً أساسياً للفنان السينمائي لكي يبهرنا بحركة كاميرا تظهر زوايا جديدة لم تبصرها عيوننا قبل ذلك، وللفنان التشكيلي لكي يرسم جنونه على لوحاته.
الآن يحيط بالبشر عالم مكشوف للغاية أو واضح إلى درجة مزعجة، فعندما يواجه أي إنسان سؤالاً يلجأ على الفور إلى الإنترنت أو الذكاء الاصطناعي، وهنا الإجابات جاهزة والتفسيرات المكررة والمعروفة والمستهلكة على قارعة الطريق، وتوجد وجهات نظر متنوعة ومتعددة لكنها لا تقول الجديد ولا تستفز الخيال ولا تحرك آلة العقل، وليس علينا إلا أن نختار، ولا فسحة لالتقاط الأنفاس بين السؤال والجواب، ولا فرصة لكي نعمل الذهن، ففي الماضي كانت هناك إجابة خاصة بنا ربما كانت خطأً لكنها ذاتية تتفق مع تعليمنا وتكويننا وبنائنا النظري وذائقتنا.
الراهن يفيض بالإجابات، والأسئلة الحقيقية نادرة وعزيزة، وأصبح لدينا ليس الشبكة ومتوالياتها للإجابة عن أسئلتنا، لكن هناك أيضاً مئات الكتب المتخصصة تمنحنا إجابات ليست شافية عن أزماتنا الحياتية، ويوجد أيضاً ما يطلق عليهم المعالجين الروحيين أو المرشدين السلوكيين وهم بدورهم يقدمون إجابات لأزماتنا الوجودية والنفسية. ولكن هل اكتفينا؟ وهل أجابت كل هذه الوسائل عن أسئلتنا وعالجت أزماتنا وخلصتنا من حيرتنا؟
من خلال تلك الإجابات التي تملأ كل مكان أصبحنا مكشوفين للغاية، ولم يعد لمشرط الروائي من قيمة، فالبطل اختفى والشخصيات باتت مسطحة، وتوقف العالم عن ممارسة الخيال المنفلت من عقاله، وعلينا أن نسأل أنفسنا: متى كانت آخر مرة قرأنا فيها لأحد العلماء يتحدث عن المستقبل؟
حوالى منتصف القرن العشرين كتب الفيلسوف هربرت ماركيوز «الإنسان ذو البعد الواحد»، كان البشر آنذاك برغم جديتهم واهتماماتهم، بالنسبة إلينا الآن، يسيرون في طريق التسطيح والتفاهة، لكن بالرغم من ذلك كان أمام الإنسان مجالات تنتظر السؤال والمغامرة والاكتشاف، ويبدو أن عنوان كتابه ينطبق أكثر على عصرنا.
إن العالم من دون غموض هو عالم يخلو من الأسئلة والمغايرة والاختلاف، ولا مكان فيه للروح الوثابة.