شيماء المرزوقي

الكثير منا جرّب أن يقضي مدة طويلة بلا نوم، مثل أن يبقى مستيقظاً لليوم التالي، أو أن يقلل ساعات نومه، وأكثر الفترات شيوعاً لمثل هذه الحالة تكون خلال شهر رمضان الكريم، حيث يبقى البعض مستيقظاً حتى الفجر، ثم يبقى مستيقظاً ليذهب إلى العمل بلا نوم، أو بعد نوم لساعات قليلة، ويعوضها بفترات متقطعة أو بطريقة فوضوية.
المشكلة ليست مسألة إدارة الوقت، أو نمط حياة فقط، بل قد تمتد لأكثر من ذلك. نحن نظن أن التعب يؤثر في الجسد فقط، لكن الدماغ هو أول ما يدفع الثمن. حين تحرم نفسك من النوم، فإن القشرة الأمامية للدماغ، المسؤولة عن الحكم العقلاني واتخاذ القرارات المتزنة تصبح أقل قدرة على التفكير بمرونة، وأسوأ من ذلك، تصبح عنيداً، وتصرّ على استراتيجيات فاشلة لمجرد أنك تعبت من التفكير. العقل المتعب لا يستسلم فقط، بل يتحول إلى مقامر أحمق!
في عام 1999، قررت الباحثتان إيفون هاريسون، وجيمس هورن، من جامعة لافبرا البريطانية، اختبار تأثير قلة النوم على القرارات. قامتا باختيار 10 مشاركين أصحاء، ووضعتاهم في تجربة قاسية، 36 ساعة كاملة بلا نوم. وبدلاً من اختبارات الذاكرة المملة، صممتا لعبة تسويق واقعية ومعقدة تحاكي القرارات التجارية الحقيقية، حيث يجب على المشاركين قراءة معلومات كثيرة وتحليلها ثم اتخاذ قرارات استراتيجية. النتائج كانت صادمة. في الساعات الأولى، كان الجميع يؤدي جيداً، لكن بعد 32-36 ساعة من الحرمان من النوم، بدأ الانهيار. أصبح المشاركون عنيدين، يكررون نفس الأخطاء، يتجاهلون المعلومات الجديدة، ويصرّون على استراتيجيات لم تعد تنفع. أصبح تفكيرهم جامداً ومتصلباً، وعجزوا عن تحديث خططهم رغم الأدلة الواضحة. وفي النتيجة انهار أداؤهم المالي تماماً وأفلسوا في اللعبة، بينما زملاؤهم الذين ناموا جيداً استمروا في تحقيق الأرباح. تذكر الباحثتان في ملخص دراستهما: «أداء اللعبة تدهور بشكل كبير بعد 32-36 ساعة من قلة النوم، حين أدت قلة النوم إلى تفكير أكثر جموداً، وأخطاء متكررة، وصعوبة ملحوظة في تقدير الموقف المحدث». لذلك من الواضح أن قلة النوم تعطل قدرتنا على استخدام عقلنا بحكمة. تصبح أكثر ميلاً للمخاطرة، أقل حذراً، وأسهل انجرافاً نحو قرارات متهورة. الدماغ المتعب يبحث عن حلول سريعة بدلاً من حلول ذكية، لأنه متعب. الدرس هنا بسيط وواضح لكنه مهم: لا تتخذ قرارات مهمة وأنت متعب. القرارات المالية الكبيرة، قبول عرض عمل، نقاش جاد، أي شيء له عواقب طويلة، يستحق أن تكون مستعداً له عقلياً.
النوم ليس رفاهية، بل هو الفرق بين قرار حكيم وقرار كارثي. حين تشعر بالتعب، تذكّر أن عقلك ليس في أفضل حالاته. أحياناً، أذكى قرار يمكنك اتخاذه هو أن تؤجل القرار حتى تنام وتصحو.