د. سالم علي بن ارحمه

العرب أهل حكمة وضيافة وكرم، وهم بهذا مشهورون بين الأمم، ويفرحون بالضيف، ويظهر على وجوههم البشر لقدومه، والسعادة بوجوده، ويعتبرون استقبال الترحيب المُبهج أهم من الضيافة والطعام‏. ومن أدب الضيافة وتمامها عند العرب «الطلاقة عند أول وهلة وإطالة الحديث عند المؤاكلة». وأحسن الشاعر حين قال:
أُضاحك ضيفي قبل إِنزال رحله
ويخصبُ عندي والمحلُّ جديبُ
وَما الخصب للأَضياف أَن يكثر
القِرى ولكنما وجه الكَريم خَصيبُ
سئل أعرابي عن الكرم فقال: «أما الكرم في اللقاء فالبشاشَة، وأما في العِشْرة فالهشاشة».
والبِشْر دال على السَّخاء ومن حسن الخلق أن يحدِّث الرجل صاحبه وهو مبتسم
لا يرفع الضيفُ عَيْناً في منازلنا
إلا إلى ضاحكٍ منَّا ومبتسمِ
والإحسان للضيف وخدمته والاهتمام به والتطلق في وجهه هدي نبوي سامٍ.
وخير الناس عند الله شخص
تحلى بالمكارم والصفات
إذا جالسته يوما تجده
لطيف القول موصول الثبات
وإن فارقته تشتاق دوما
لرؤيته بدون مقدمات
ومن آداب المجالس المبالغة في إكرام الضيف، فهي من مفاخر العرب قال شاعرهم:
وإنّي لعبد الضيف ما دام ثاوياً
وما فيّ إلا تلك مِن شيمةِ العبدِ
وقال المهلّب: «ليس للأحرار ثمن إلا الإكرام فأكرم حرّاً تملكه».
سُئل ابن عباس رضي الله عنهما: من أكرم الناس عليك؟ قال: «جليسي حتى يفارقني».
ولقد أكد القرآن الكريم على هذا المعنى من خلال عرضه لقصة إبراهيم الخليل، عليه السلام، وفيها أن الإسراع بالقِرى من تمام الكرم وحسن الضيافة كما ذكر الله تعالى عن كرم إبراهيم عليه السلام: «فراغ إلى أهله». أي: انسل في استخفاء وسرعة «فجاء بعجل سمين» أي: ممتلئ لحماً وشحماً، بأفضل ما وجد من ماله
من آداب الضيافة تقديم أفضل الموجود «فما لبث أن جاء» أي: ما أبطأ في مجيئه «بعجل حنيذ» أي: مشوي على الرضف وهي: الحجارة المحماة والشواء ألذ ما يؤكل.
ومن كرم الضيافة أن الضيف يُكرم لا يُشاور كما فعل إبراهيم: «فقربه إليهم».
وهذه الآية جمعت آداب الضيافة ومنها الإسراع بالقِرى فهو من تمام الكرم.
وإكرام الضيف دليل على قوة الإيمان، وهو عبادة تُقرب الإنسان من ربه قال الفضيل بن عياض رحمه الله: «لأن يلاطف الرجل أهل مجلسه ويحسن خلقه معهم خير من قيام ليله وصيام نهاره». وقال أحد العلماء: «لا ينبغي أن نقول إن إكرام الضيف من العادات بل نقول: إنه من العبادات لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». وقال النبي في الترهيب من عدم الضيافة: «لا خير فيمن لا يضيف».

[email protected]