رائد برقاوي
يشكل المشهد العام الذي تعيشه منطقتنا هذه الأيام لوحة تتعدد دلالاتها ورموزها وأيضاً تناقضها الحاد بين أطراف تعمل من أجل الراهن والمستقبل، وأطراف أخرى متورطة حتى أذنيها في أفكار الماضي البالية وغارقة في الفشل، والأكثر مدعاة للأسى أنها تحاول أن تصدر هذا الفشل إلى الآخرين.
ليست مصادفة على الإطلاق أن نشهد يوم أمس الأول، الثامن والعشرين من فبراير، مشهدين على طرفي نقيض، هنا في أبوظبي يجتمع قادتنا الكرام للتوقيع على «الميثاق الوطني للتعليم»، ليؤسسوا كما عودتنا الإمارات لمستقبل أكثر إشراقاً، ويصنعوا غداً أفضل للأجيال المقبلة، وفي التوقيت نفسه تتعرض دولتنا الحبيبة ومنطقة الخليج لهجوم إيراني غادر، لا يوجد له مبرر وفق أي منطق، كانت الإمارات تبني، وإيران تهدم، كانت الإمارات في اليوم التالي، الأول من مارس، مع بداية شهر القراءة الوطني، حيث الدولة الوحيدة في العالم التي جعلت القراءة بقانون، بينما كانت إيران على موعد مع مواصلة بلطجتها في المنطقة، كانت الإمارات على موعد مع شهر رمضان الفضيل، حيث تجمع مليارات الدراهم كل عام لإغاثة طفل جائع أو مساعدة فقير، بينما الجبروت الإيراني يضرب المسالمين والأبرياء في أرزاقهم ويهدد أمنهم واستقرارهم، بل وحياتهم نفسها، هي صورة معبرة ودالة ولا تحتاج إلى أي تعليق: سبعة حكام يصطفون على قلب رجل واحد يوقعون ميثاقاً من أجل الازدهار والنمو، وعلى الجانب الآخر صواريخ وطائرات مسيرة تهاجم المدنيين بخسة ونذالة.
هنا دولة لم يهدأ العمل فيها على مدار نصف قرن، عمل مثمر وخلاق، يبني ربوع الوطن أولاً ويمد اليد للآخرين، دولة متحضرة تحترم الكتاب وتضعه على الرأس وتغزو القلوب بقوتها الناعمة، وهناك على الضفة الأخرى سلوك جلف وخشن، هنا دولة تلتزم بالمواثيق والمعاهدات الدولية وتحترم جيرانها وكلمتها ولا تقول إلا الحق، وهناك دولة تعبث بكل الاتفاقيات ولا تعرف إلا الشعارات التي عفا عليها الزمن ولا يصدقها أحد.
هنا السياسة الخليجية، والإماراتية خاصة، هادئة ومتزنة وواضحة، وهناك في إيران شعارات وطيش وسلوك منفلت من عقاله، التزمت دول الخليج بعدم استخدام أراضيها في مهاجمة إيران، وصدقت في التزامها، ولكن إيران هاجمت كل العواصم الخليجية، ولا نعرف لماذا؟ وللمتابع أن يسأل: أي مبرر يتيح مهاجمة المدنيين، بأي عرف أو قانون أو عقيدة؟ ولا نعرف ما المبرر من وراء أن تكون الصواريخ والمسيرات التي أطلقتها إيران على الإمارات وحدها أكثر مما أطلقته على إسرائيل؟ هل هو الحقد على الناجحين؟ هل هو نظام أصابته لوثة فأصبح مثل شمشون في الحكاية الشهيرة؟
أخطأت إيران عدة أخطاء تقترب من الخطايا، ومارست سياسة ضبابية، لا نعرف لها استراتيجية أو رؤية، ولا تتحلى بأي قدر من الدبلوماسية أو ضبط النفس، ولم تخسر علاقتها مع الأنظمة والبلدان المجاورة فحسب، بل خسرت شعوب المنطقة وربما العالم بأكمله، فهجماتها استهدفت مدنيين من مختلف بلدان العالم، حيث عشرات الجنسيات التي تعمل أو تزور بلدان الخليج العربي المسالمة.
هنا دولة وصلت الليل بالنهار لكي تؤسس بنية تحتية يتحدث بها العالم كله، وتحتل رأس عدة مؤشرات دولية وتثير الإعجاب، في لحظة يتوقف فيها التاريخ احتراماً لها، وهناك نظام جر مقدرات بلاده في مغامرات غير محسوبة، وعبر تدخل سافر في شؤون دول الجوار، وأهدر ثروات كان يمكنها وضع إيران في مصاف الدول المتقدمة.
هنا دولة شيدت نموذجاً تنموياً قلَّ نظيره، أصبح قِبلة للاستثمارات والتقنيات والإبداعات من أقطار الأرض الأربعة، وفي موازاة ذلك، شيدت إماراتنا منظومة عسكرية على درجة كبيرة من الكفاءة، تمتلك أنظمة جوية هي من الأفضل عالمياً، يقف وراءها قائدنا، حامي الدار، صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، الذي يؤمن أن المكتسبات والإنجازات تحتاج إلى حصن متين لحمايتها، وهذا ما تحقق وما شاهدناه في اليومين الماضيين، فحتى كتابة هذه السطور نجح رجال قواتنا المسلحة البواسل في التصدي ل 166 صاروخاً و541 طائرة مسيرة، ولنا أن نفخر بذلك، ونشعر بالأمن والطمأنينة، وبأننا في أيد أمينة وعيون ساهرة لا تنام، بينما كان هناك على الطرف الآخر في إيران منظومة عسكرية متهالكة لم تستطع أن تواجه الطائرات الإسرائيلية، ولكنَّ فارقاً كبيراً بين هنا وهناك، بين دولة متحضرة نامية استكملت جاهزيتها في مختلف الحقول، لا تعرف إلا السلام، وهناك دولة بائسة تنتمي إلى الماضي ولا علاقة لها بالعصر ومتغيراته.
هنا دولة اتصل العالم كله برئيسها للاطمئنان على الأوضاع بعد الهجمات الغادرة، وهناك دولة دانها العالم بأكمله، حتى الشعوب باتت تنظر إليها بشك وريبة، وبغضب أيضاً.
هنا إماراتنا مُتوَّجة على القلوب بقوتها الناعمة، تحمل بيدٍ الخير، وبيدٍ أخرى تمسك كتاباً، وهناك نظام إيراني بائس يتخبط في أفعاله وسياساته.