يسرا عادل

في الشرق الأوسط، لا تقع الزلازل حين تهتز الأرض، بل حين يظن الجميع أن التوازن صار دائماً. الضربة الأخيرة بتعدد الأسماء بين «الغضب العارم» التسمية الأمريكية، و«زئير الأسد» التسمية الإسرائيلية وصولاً إلى«خاتمة الطوفان» التسمية الإيرانية، وما تبعها من ردود محسوبة، لا تشبه إعلان حرب، ولا يمكن وصفها بالاشتباك العابر. إنها شيء ثالث: لحظة اختبار قاسٍ لميزان ردع بُني على الخوف أكثر مما بُني على القوة.
لكن المفارقة الأكثر حساسية في المشهد المعقد كانت من توقيع إيران، التي حاولت الرد بما يكفي لحفظ الهيبة، لأنها في لحظة إعادة ترتيب داخلي، هي نفسها ظنت أنها قادرة على احتوائه، لكن تمدد ساحة الرد وفتح الجبهات لا يظهر ذلك.
فطهران التي لم تُعطِ الجيرة وضعها، تناست أن الجغرافيا التي تطولها اليوم هي ذاتها التي عملت طويلاً على منع الانفجار، وذريعة الرد على القواعد الأمريكية تتبدد لصالح محاولة الزج بدول الخليج في الصراع من جهة، والضغط على الحليف الأمريكي في التفاوض من جهة أخرى. لقد لعبت دول الخليج، خلال الفترة الماضية دور الجسر لا الخندق، والوسيط لا الطرف. كانت المساحة التي تُختبر فيها فرص التهدئة، لا ممراً للصواريخ. واستهداف هذه المساحة لا يغيّر معادلات القوة بقدر ما يكشف سوء تقدير لطبيعة المنطقة نفسها. فالخليج، بحكم اقتصاده المفتوح، وتركيبته الأمنية، وتشابكاته الدولية، ليس بيئة قابلة لأن تتحول إلى منصة تصعيد دائم. إن العبث بأمنه لا يُنتج أوراق ضغط، بل يستدعي توازنات أوسع لا تصب في مصلحة من يبدأه.
هنا تخطئ طهران إن ظنت أن ضبط النفس ضعف، أو أن السعي إلى الوساطة فراغ يمكن ملؤه بالرسائل العسكرية. فالسياسة الخليجية، تاريخياً، لم تبحث في شقوق الحرب بل في مساحات الاستقرار، لا لأنها عاجزة عن غير ذلك، بل لأنها تدرك أن ازدهار هذه المنطقة قائم على نفي الفوضى لا إدارتها. ومن يقرأ التاريخ القريب يدرك أن تحويل ساحات التجارة إلى ساحات مواجهة لا يصنع نصراً، بل يعزل الفاعل عن محيط كان قادراً على أن يكون متنفساً سياسياً له. إن المغالاة في استهداف الخليج ليست إلا إسرافاً في الرهان، وترفاً في العشم بأن الجغرافيا يمكن أن تنقلب على منطقها.
أما الحدث المفصلي، اغتيال المرشد، فقد كشفته ردود الفعل قبل أن تؤكده البيانات. فحين تتحرك دولة بكل هذا الزخم وعلى هذا الاتساع، فهي لا ترد على ضربة عابرة، بل على خسارة بنيوية شعرت بها فعلاً. ومع ذلك، فإن الاعتقاد الأمريكي- الإسرائيلي بأن غياب الرجل يعني تلقائياً نهاية النظام يكشف، مرة أخرى، ميلاً متكرراً إلى فشل في قراءة إيران بتركيبتها الداخلية.
في الظاهر نحن أمام تصعيد، لكن في العمق نحن أمام مفاوضات بالنار، حيث تُستخدم القوة لإعادة رسم قواعد الاشتباك لا لإنهائه. إيران، التي نجت من حروب أطول وأعقد، لا تتحرك بمنطق الانطفاء مع غياب قائد، بل بمنطق إعادة إنتاج التماسك حول فكرة البقاء، لكن المتغير الذي لا تدركه طهران هو الشعب، الذي سئم الفقر، والانكسار، والذل، ونظام الملالي.
ما تفعله طهران الآن يبدو استعراض قوة، ومحاولة ترميم توازن اختل، لكنه يحمل في داخله سؤالاً أكبر: هل تدرك حقاً من تخاطب؟ فالمنطقة التي تخسر وسيطاً تخسر نافذة، وحين تُغلق النوافذ لا يبقى سوى الجدار. وتجارب التنظيمات التي اندفعت بعيداً عن حسابات الواقع، حتى أصابها الشلل، ليست بعيدة. إن خسارة جارٍ كان قادراً على لعب دور الممر الآمن بين الخصوم ليست حدثاً عابراً، إنها خسارة لا يغفرها التاريخ بسهولة، ولا الأجيال يا إيران! لأن الجغرافيا نفسها لا تستسيغ القطيعة مع من صمم دورهم ليكونوا جسوراً.
وبين الغضب العارم وزئير الأسد وخاتمة الطوفان، يبدو أن لكل طرف أهدافه الحاسمة، لكن الواقع على الأرض يفضح أن هذه الأهداف تُدار ضمن منطق التصعيد المدار. إنها فلسفة الدول المراوغة: استخدام القوة كصفقة تضمن الموقع على طاولة التفاوض، مع الحد من الخسائر الكبرى. ومع ذلك، بين الوقوع في الحرب الشاملة والوصول إلى طاولة التسوية، يمتد هامش ضيق كالشفرة، فخطأ واحد، أو خطوة عابرة للحدود، قادر على قلب الهرم، وإدخال الأطراف في زاوية لن تقوى معها أي قوة على السيطرة أو الرد. في هذا المسرح، يصبح التوازن ليس مجرد خيار استراتيجي، بل اختبار حقيقي للبصيرة.
على إيران أن تدرك أن طاولة الحوار ليست مكافأة، بل خيار يُصنع بالوعي والتخلي عن أفكار لا تتوافق مع إيقاع المنطقة ولا تطلعات شعبها. كل خطأ يُرتكب وكل ورقة تُحاول خلطها ستظل حاضرة في ذاكرة التاريخ، وستلاحقها شعوب المنطقة قبل أن تطولها مراكز السلطة. ولا يُقاس العظماء بعدد الصواريخ ولا ضوضاء المدافع، بل بمدى فهمهم للحظة التي يجب فيها أن يُستبدل الغضب بالحكمة، والطوفان بالصفقة.

[email protected]