وليد عثمان
تعيد لحظة الخطر الراهنة ضبط الصف العربي بفعل ما تفرضه الأحداث المتطورة بسرعة من تعالٍ عاقل على ما كان من الخلافات حول بعض القضايا، أو على الأقل تنحيتها مؤقتاً أمام ما هو أهم، وتجدد الإدراك بوحدة المصير، وحتمية الاحتماء بخندق واحد في وجه تهديد آنيّ يتنكر لثوابت كثيرة، وتفادي أن لا يتكرر أو يصبح حتى محوراً للمناورة في يد هذا الطرف أو ذاك.
لا تناسب اللحظة الخطرة التلاوم والتذكير بفرص أفلتت منا من دون حتى العودة إلى الحديث عن مشروع عربي للتعامل مع الأخطار القريبة والبعيدة، لكنّ انجرارنا إلى مواجهة نسخة من هذه الأخطار والانشغال بتبعاتها لا يمنع من تساؤلات عابرة حول ماضي هذا المشروع ومستقبله، والتذكير بأن يكون أقرب ما تتحلق حوله الجهود العربية حين تمر العاصفة.
قد تكون اللحظة الراهنة مخيبة لبعض الرهانات العربية على سياسات الآخرين وحدها، وتصور أن اليد الممدودة بالخير والسلام وحسن الجوار محمية من الحماقة السياسية والطمع الاستراتيجي. وهذه اللحظة نفسها تصلح باعثاً على إعادة تصور المستقبل في إطار مشروع عربي متكامل يفرض نفسه على طاولة الحوار والتشاور بعد تجاوز هذا الوقت العصيب.
النجاة في رؤية عربية موحدة تدرك احتمالات الخطر وتتأهب لها بتصورات مختلفة، تحاور التكتلات الإقليمية والدولية بلسان المصلحة العربية المشتركة وتختار منها ما يحقق آمال الشعوب ويبدد مخاوفها.
نحتاج إلى رؤية صالحة للمستقبل، مجردة من الشعارات والتفاصيل العقيمة، يحترمها الآخرون وتكون مرتكزاً للتعاون، الجماعي والفردي، معهم.
مفهوم أن يكون داخل هذه الرؤية حرية تتيح لكل طرف عربي بناء نموذجه الوطني، واختيار مساراته المستقلة لحاضره ومستقبله، لكن الأهم أن يكون ذلك مشدوداً إلى الرؤية المشتركة التي تحدد أيضاً إلام نحتكم حين تتضارب التفسيرات أو تتنازع الطموحات.
إن من الحكمة الاعتراف بأن اللحظة الراهنة هي ابنة بذرة الانقسام التي وضعتها أطراف خارجية قبل عقود وسقتها أطراف عربية بحماقة، فأينعت روحاً طائفية، وآمالاً خائبة باسم الديمقراطية والحرية، ونزوعاً إلى العنف يقتل رحمة التنوع والاختلاف ويراكم في النفوس نزعات الثأر والتدمير ويخلق ولاءات تتضاءل بينها قيمة الوطن.
على هذه الأرضية المسمومة، نبتت أذرع لهذا الطرف، وعيون لطرف آخر، وتعددت الانحيازات والرايات في الوطن العربي الواحد بين الشعوب والكيانات الناتئة التي وجدت ظروفاً مواتية لاختطاف القرارات الوطنية.
هذه ألغام حاولت زعامات حكيمة تجنبها وإبطال مفعولها، وبذلت جهداً لتوحيد الصف العربي أمام هذه الاختراقات المتراكمة، لكن تتابعها، وظهور المنتفعين منها، جعلا من السهل الاختيار بين مسارات تحرك جاهزة وبدد فرصة التفكير المتمهل في طريق عربي آمن.
هذا الطريق تلوح بدايته في أفق الخطر الحالي الذي يفرض على العقلاء التسامي فوق أي اختلاف، والاستعداد لواقع جديد يلزمه قدرة عربية على الاختيار من سبل متعددة، والدفاع الجماعي عنه.