يعد تكوين لوحة خطية تجمع بين القيمة الروحية أو الدينية والجمال الفني من أبرز تحديات الخطاطين الذين يحرصون على تقديم أفضل ما لديهم من تحف فنية تعد مثالاً راقياً للخط الإسلامي، خاصة إذا كان من نوع الثلث الجلي، كما هو في اللوحة التي بين أيدينا للفنان التركي داود بكتاش، الذي كتب فيها النص الشهير «رتبة العلم أعلى الرتب».
تعكس العبارة في اللوحة فضل العلم والعلماء الوارد في القرآن والسنة، وفيها نقف على أبرز ميزات الثلث الجلي بسماكة حروفه وطولها وليونته وقابليته للتشابك والزخرفة، وهو الذي يسمح بالتداخل والتراكب بين حروفه إلى غير ذلك من الميزات الجمالية التي يمكن تفحصها بكل سهولة ويسر.
تكوين
في هذه اللوحة نجح الخطاط بكتاش في المزج بين قواعد الثلث الجلي ومرونة التشكيل على نحو مدهش، عبر تصميم لوحة نابضة بالحياة سواء من حيث تشكيل الحرف أو ذلك التوازن المريح للعين ما بين إيقاعية الحروف واللون وذلك التوازن الذي يمكن ملاحظة مدى انسجامه في العناصر المكونة للوحة.
تقوم اللوحة على نظام مدروس من حيث التركيب البديع للحروف والتوازن بين هذه الحروف من جهة وبين اللون من جهة ثانية، لقد جعل بكتاش كلمة «مرتبة» الواردة في النص في رأس اللوحة، ليشير إلى مرتبة العلم، حيث كلمة «العلم» تتوسط اللوحة من جهة الأسفل، وقد قام بجعل هذه الكلمة كبيرة الحجم وممتدة من جهة اليمين إلى اليسار، لتنشأ علاقة متوازنة بين هذه الكلمة وبقية كلمات النص.
تتدرج مركزية النص من الأسفل صعوداً إلى الأعلى، مع الحفاظ على قواعد كتابة الحروف كما هي في موازين الثلث الجلي، لتبدأ العين وهي تتابع هذا التكوين الجمالي الفني وتشعر بذلك الإحساس الدافئ الذي يكتمل في اللوحة من خلال مجموعة من العناصر من بينها الحاضنة اللونية للنص التي تشكلت من اللون الأسود، في إشارة إلى قوة ودلالة المعنى، هذه الحاضنة اللونية جاءت على هيئة هرمية، لتشكل بنية بصرية تشير إلى القيمة الفكرية والروحية التي يحملها النص، حيث العلم هو أعلى منزلة يمكن أن يبلغها الإنسان، وله دور مؤكد في رفعة هذا الإنسان وتقدم المجتمع وبناء الحضارة.
خلفية
الخلفية في هذه اللوحة جاءت مزخرفة (زخرفة نباتية) باللون الذهبي، لترمز إلى الثراء والإيجابية والقيمة الفكرية التي يحملها النص، ومن جهة ثانية فقد جمعت الخلفية عناصر اللوحة ومنحتها وحدة بصرية تمنع تشتت البصر، هذه الزخرفة النباتية الدقيقة كانت عبارة عن تكرارات ناعمة غير صارخة لا تنافس النص بل تعمل كإطار بصري هادئ.
إضاءة

ولد داود بكتاش عام 1963 وتخرج في كلية الحقوق بجامعة إسطنبول عام 1992. خلال سنوات دراسته الثانوية، انجذب إلى فن الخط العربي. انتقل إلى إسطنبول لاستكمال تعليمه، حيث درس لفترة قصيرة خط الثلث على يد يوسف إرجون. منذ 1982 بدأ بدراسة خط الثلث، والنسخ، والرقعة على يد الخطاط حسن جلبي، وحصل على إجازة في خطي الثلث والنسخ عام 1994، ومن عام 2002 حتى وفاته، تعمق في دراسة خطي التعليق والديواني.
حصل على الجائزة الأولى في خط الجلي الثلث في مسابقات الخط الدولية التي نظمتها منظمة إرسيكا، وليحصد بعد ذلك عدة جوائز في الثلث الجلي، وله مشاركات في العديد من المعارض الفنية على الصعيدين المحلي والدولي.