يقولون إن الحظ هو أن تُولد وفي يدك مفتاح صغير لباب واسع، لكن الدول لا تُقاس حظوظها بجنانها الخضراء، ولا بفيض أنهارها، ولا حتى بآبار نفطها. كم من أرض خضراء وشعبها مُتعب؟ وكم من دولة نفطية يطاردها القلق من كل صوب؟ النعم لا تأتي دائماً في هيئة موارد، أحياناً تأتي على هيئة أشخاص، وفي صورة اطمئنان.
في إحدى أمسيات دبي الرمضانية، كان المشهد أبسط من أن يكون حدثاً سياسياً، وأعمق من أن يكون صدفة. «دبي مول»، حيث يختلط صخب السياح بخطوات العائلات، ظهر محمد بن زايد يتجول بهدوء، وإلى جواره حمدان بن محمد بن راشد. رئيس الدولة ووزير الدفاع، لا منصة، لا خطاب، لا بيان. قهوة تُرتشف، وخطوات تمضي كما يمضي الناس.
اقترب سائح من غانا، بفضول عفوي، طلب صورة وسجل لحظة. لم تعترضه حواجز، ولم يزاحمه حرس مدجج بالريبة. سأله الرئيس: من أي دولة أنت؟ وحين أجاب، قال له ببساطة: «استمتع بإقامتك». جملة قصيرة، لكنها لم تكن موجهة له وحده. كانت رسالة غير معلنة تقول: «نحن بخير... فاطمئنوا».
في عالم اعتدنا فيه أن يُحاط القادة بجدران من حديد وخوف، يصبح مشهد قائد يمشي بين الناس بلا ارتباك في حساسية هذا التوقيت، بياناً صامتاً أقوى من ألف تصريح. الظهور هنا ليس استعراض قوة، بل طمأنة قلب.
خلال الأيام التي سبقت، انتشرت مقاطع مفبركة وصور مجتزأة عن المكان ذاته ومحيطه، تحاول أن تزرع ظلالاً في مساحة الضوء، لكن الضوء لا يُجادل الظل، يكفيه أن يكون. لذلك لم يحتج «أبو خالد» إلى رد أو تفنيد. كان يكفي أن يُرى، أن يسير، أن يحتسي قهوته كما يفعل الناس، فبعض الرسائل لا تكتب بالحبر، بل بالخطوات.
الشعوب، في أوقات القلق، لا تبحث عن خطب رنانة، بل عن علامة. عن مشهد بسيط يعيد التوازن إلى القلب. وهذا ما حدث. لم تكن جولة في مركز تسوق، بل جولة في وجدان الناس. حين يرى الشعب قائده بينه، يشعر أن المسافة بين الحاكم والمحكوم ليست سوى ممر مفتوح.
هل عرفتم لماذا، قبل سبعين عاماً، التف الناس حول أجدادهم؟
رأوا قائداً يشبههم، يخاف عليهم كما يخافون على أبنائهم. فبايعوا الثقة، لا السلطة، واجتمعوا حول المعنى، لا المظهر.
في تلك المسافة الصغيرة، يكمن سر الحكاية كلها: قائد يمشي مطمئناً بين شعبه، وشعب يمضي مطمئناً خلف قادته.

[email protected]