وسط هذه الظلمة والأعاصير التي تلف المنطقة وما تحمله من مخاطر وتداعيات، جراء العدوان الإيراني على دولة الإمارات ودول الخليج الأخرى، انبثق ضوء يحمل الأمل ويبشر بعلاقات متجددة تعيد الروح إلى مجلس التعاون الخليجي، بما يتجاوز أي خلافات عابرة أثبتت أنها كانت مجرد عاصفة في فنجان.
إذا كان الاعتداء الإيراني السافر لم يستثن دولة خليجية بما يضع المنطقة أمام مخاطر سياسية وأمنية واقتصادية غير محسوبة، وإذا كانت دول الخليج قادرة على المواجهة، وهي أثبتت كفاءة عالية في التصدي لهذا الاستهداف الغاشم، فإنها أكدت أن الدرس الأول الذي تعلمته هو أن تضامنها وتوحدها وتعاونها تؤكد أن مصيرها مشترك وأن الجميع في قارب واحد، وما ويصيب دولة من أذى فإنه يصيب الجميع.
في لحظة العدوان سقطت كل الخلافات، ومعها ما بدا أنه افتراق أو تفكك في عرى مجلس التعاون، وظهرت معادن الرجال والدول على حقيقتها، لأن الشدائد والمحن هي الغربال الذي يفرز القمح من الزؤان كما تفرز النار جوهر الذهب، فتصفو القلوب وتترفع على سفائف الأمور.
وإذا كانت القوة تعني التعاون والتضامن، فإن الضعف لا يسعه إلا أن يتوسل، وقد أثبتت المواجهة الحالية أن دول مجلس التعاون تمتلك من القوة والإيمان ما يمكّنها من هزيمة أي عدو، وصد أي اعتداء، وأن لا مكان للضعف في قاموسها ما دامت تدرك أن مصيرها واحد. وإذا كان السلّم تتعدد درجاته فإن التعاون هو الأرض الصلبة التي يقف عليها.
لذلك، إذا كان التعاون هو قانون الطبيعة، فإن الوضع الراهن يشكل مناسبة لإعادة الروح إلى مجلس التعاون لدول الخليج العربية واستحضار كل الأهداف التي تعاهدت عليها دول المجلس منذ تأسيسه عام 1981، وترجمتها إلى واقع فعلي في جميع الميادين وصولاً إلى وحدتها وتعميق الروابط بين شعوبها التي تجمعها وحدة التاريخ والجغرافيا والدين والثقافة، إضافة إلى علاقات القربى.. والمصير الواحد.
لقد وضع مجلس التعاون أهدافاً واضحة لمسيرته، منها ما تحقق ومنها ما لم يتحقق، وهو ما أدى في بعض الأحيان إلى تباينات ورؤى مختلفة إزاء القضايا الإقليمية والدولية والعلاقات البينية، لكن إذا كان ذلك مفهوماً ومقبولاً في إطار التعدد ضمن الوحدة، فلا يجوز أن تتحول التباينات إلى خلافات تؤثر سلباً في العلاقات الثنائية، وتجعل من مجلس التعاون بطة عرجاء.
إن خطورة المرحلة التي تمر بها المنطقة ومن بينها دول الخليج العربي، تفرض التعالي على الصغائر ووضع مصلحة دول المجلس مجتمعة فوق المصالح الذاتية والشخصية، إذ لا أحد يمكنه أن يحقق النجاح منفرداً، ولا أحد يستطيع أن يعزف السيمفونية لوحده لأنها تحتاج إلى فرقة لعزفها.
إنها فرصة كي نستعيد وحدتنا، كي نواصل مسيرة الصمود والاستعداد، ونشارك في صناعة مستقبل المنطقة لا أن نكون متفرجين أو ضحايا لكل الطامعين في أرضنا وثرواتنا.
إنه وقت المواقف.. لا وقت الكلام والانتظار على قارعة طريق باتت تحتاج إلى وضوح رؤية.. معاً نحقق المعجزات.