محمد سعيد القبيسي
هناك دول تختبرها الأزمات، وهناك دول تختبر الأزمات نفسها، وفي منطقتنا التي تتقلب فيها التوترات بسرعة، مرت الإمارات خلال الفترة الماضية بتحدٍ كبير، أكثر من 1000 محاولة اعتداء بصواريخ باليستية، ومسيرات وصواريخ جوالة، وفق ما أعلنته وزارة الدفاع، رقم كبير بكل المقاييس، لكن الصورة الحقيقية لا تقاس بعدد الهجمات، بل بما حدث بعدها، فالحياة هنا لم تتوقف، الطرق مفتوحة كالمعتاد، والأسواق نابضة بالحياة، والجهات الحكومية والخاصة تعمل بكفاءة، والإمدادات الغذائية والدوائية متوفرة دون نقص، الحياة تمضي بهدوء وثقة، وكأن الوطن يبعث برسالة واضحة، وهي أن الاستقرار هنا ليس صدفة، بل نتيجة استعداد طويل ورؤية واضحة.
خلال هذه الأحداث، أثبتت منظومات الدفاع الجوي كفاءة عالية في التعامل مع التهديدات، واعتراض نسبة كبيرة من الهجمات، والأهم أن جزءاً من هذه القدرات، هو ثمرة استثمار طويل في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا المتقدمة والكفاءات الوطنية، حيث أصبحت بعض هذه المنظومات نتاج جهد إماراتي خالص، وهذا بحد ذاته يعكس رؤية استراتيجية لم تُبنَ على ردود الفعل، بل على الاستعداد المسبق.
وإلى جانب الأرقام والأنظمة الدفاعية، تبرز أيضاً حالة الثقة العامة التي تسود المجتمع، فالمواطن والمقيم يواصلان حياتهما اليومية بهدوء، دون ارتباك أو قلق، لأن الثقة بمؤسسات الدولة وقيادتها، ليست مجرد شعور عابر، بل تجربة تراكمت عبر سنوات من الاستقرار والإدارة الحكيمة للأزمات.
ففي أوقات الأزمات عادة ما تتغير حياة الناس بسرعة، وتختل الإيقاعات اليومية، لكن ما نشهده هنا مختلف، فالحياة تسير بإيقاعها المعتاد، الناس يذهبون إلى أعمالهم، والمجتمع يواصل نشاطه بثقة راسخة، بأن أمن الإنسان واستقراره يظل أولوية لا تقبل التنازل.
كما أن قدرة المجتمع على التماسك في مثل هذه الظروف، تعكس عمق العلاقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة، فحين يشعر الناس أن هناك منظومة متكاملة تحميهم وتدير الأزمات بعقلانية، يتحول الاستقرار من مجرد حالة أمنية إلى ثقافة يومية يعيشها الجميع.
هذا الثبات لم يولد في لحظة، بل هو نتيجة عقود من العمل والاستثمار في الإنسان والبنية التحتية والمؤسسات.
قد تتعدد التحديات، وتتغير أشكالها، لكن الثابت واحد، الإمارات تواصل مسيرتها بثقة وهدوء، تحمي مكتسباتها وتبقي أبوابها مفتوحة للتعاون والسلام، فالقوة الحقيقية للدول لا تظهر في غياب التحديات، بل في قدرتها على أن تستمر الحياة فيها بشكل طبيعي.