د. سالم علي بن ارحمه

في ذكرى وفاة الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، نستحضر سيرة قائد لم يكن اسماً في سجلّ التاريخ فحسب، بل كان نهجاً متكاملاً في العطاء، ومدرسةً راسخةً في الإنسانية.
آمن بأن «ثروتي سعادة شعبي»، وحوّل هذه القناعة إلى منهج عملٍ راسخ، قامت عليه مسيرة الاتحاد والبناء في دولة الإمارات، ف«مدرسة زايد البوصلة والمرجعية للحاضر والمستقبل»
هذا ما قاله صاحب السمو الشيح محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله.
زايِّد على كل العرب ب الوفا زاد،
ساق المراجل لينْ وقف عددها
لم يكن زايد قائداً بعيداً عن الناس، ولا حاكماً في برجٍ عاجي، بل كان أباً قريباً من شعبه، يعيش همومهم ويشاركهم أفراحهم، يسألهم دائماً: «شي قاصر عليكم؟». بهذه الروح الأبوية الفريدة، نشأت علاقة استثنائية بين القائد وشعبه، قوامها المحبة الصادقة، والثقة المتبادلة، والشعور العميق بالانتماء، فكان الناس له أوفياء كما كان لهم معطاءً، وصدق فيه قول النبي، صلى الله عليه وسلم:
«خير أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم»، فمعيار الخيرية المحبة المتبادلة بين الراعي والرعية
إذا قامت الدنيا تعد مفاخرا
فتاريخنا الوضاح من زايد ابتدا
ويبقى صدى زايد يرن بأفقنا
هتافا على سمع الزمان مرددا
فابقي إلهي لدولتنا الحمى
أمناً أماناً وخيراً مخلدا
في «عام الأسرة»، نستحضر كيف جعل زايد من الاستقرار الأسري أولوية وطنية، إيماناً منه بأن المجتمع القوي يبدأ من بيتٍ متماسك. دعم التعليم والصحة والسكن، ووفّر مقومات الحياة الكريمة للمواطنين والمقيمين، ليشعر كل من يعيش على أرض الإمارات بأنه جزء من أسرة واحدة، لم يكن عطاؤه محصوراً في الداخل، بل امتدت أياديه البيضاء إلى العالم، فغدت الإمارات رمزاً للخير والعطاء الإنساني.
تميّز الشيخ زايد ببساطته وتواضعه، فلم يعرف التكلف في قولٍ أو فعل، وكان فعله يسبق قوله، آمن بأن الكرم خُلُقٌ أصيل، وأن خدمة الإنسان هي الغاية الأسمى للحكم.
مدّ يد العون للقريب والبعيد، للمواطن والمقيم، قائلاً كلمته الشهيرة: «المال مال الله، والخَلق خَلق الله، والأرض أرض الله، واللي يجينا حيّاه الله»، وترجمها واقعاً من خلال مشاريع التنمية، ومبادرات الإغاثة، وبناء الإنسان قبل البنيان، فغدت الإمارات واحة أمنٍ وخير، وموئلاً لكل طامحٍ إلى حياةٍ كريمة.
وخير الناس ذو حسب قديمٍ
أقام لنفسه حسباً جديدا
تراه إذا ادّعى في الناس فخراً
تقيم له مكارمُه الشهودا
وعلى يديه تحولت الصحراء إلى جناتٍ خضراء، وشُيّدت دولة قانونٍ ومؤسسات تقوم على العدل والتسامح والوفاق. لم يكن مشروعه عمراناً مادياً فحسب، بل كان بناءً للإنسان قبل البنيان، وترسيخاً لقيم العمل والإخلاص والانتماء. لذلك لم يكن الاتحاد حدثاً عابراً في الثاني من ديسمبر، بل كان رؤية قائدٍ آمن بشعبه، فآمن الشعب به، وتوحدت القلوب قبل الحدود
يا زايد الخير لو تدرى بما غرست
يداك، صار غراس الأمس جناتِ
محمد قد مشى في خطوكم فدنا
له البعيد وأعتى المستحيلاتِ
وخلفه الأُسدُ شادوها بهمتهم
مشاعل العز صناع الطموحاتِ
زايد الخير لم يترك وراءه أبراجاً شاهقة فقط، بل ترك أثراً في كل قلب. علمنا أن العمر بالأمجاد لا بالسنوات، فالسيرة الطيبة هي الباقية، والذكر الحسن هو الخالد
ومن شعره:
الجمايل دآيمه والمناصب ماتدوم
والكفو لو يندفن ما تندفن سمعته
وتكتسب هذه الذكرى معنى أعمق في «عام الأسرة»، لأن الشيخ زايد لم يؤسس دولة فحسب، بل أسّس بيتاً كبيراً اسمه الإمارات، وجعل من الأسرة نواة المجتمع، ومن تماسكها أساساً لنهضة الوطن
تِعدادُ مجدِ المرء منقصةٌ
إذا فاقت مزاياهُ عن التعدادِ
زايد الخير لم يترك وراءه عمراناً شاهقاً فحسب، بل ترك قيماً راسخة في وجدان شعبه: الإخلاص، والعدل، والرحمة، والعمل من أجل الإنسان. علّم أبناءه أن المناصب زائلة، وأن الباقي هو الأثر الطيب والسيرة الحسنة. وفي كل بيت إماراتي قصة امتنان لزايد، وفي كل إنجاز وطني بصمة من بصماته
ما مات من زرع الفضائلَ في الورى
بل عاش عُمراً ثانياً تحت الثّرى
فالذِّكْرُ يُحْيي ميِّتاً ولرُبَّما
مات الّذي ما زال يسمعُ أو يرى
وكان الشيخ زايد ينهج نهج نبيه وقدوته رسول الله صلى الله عليه وسلم «يُعطي عطاء من لا يخشى الفقر». لذا دان له الناس وكسب قلوبهم
تعوَّدَ بسط الكفِّ حتى لو أنه ثناها لقبضٍ لم تُجِبهُ أنامِلُهُ
ترَاه إذا ما جئته متهللا
كأنَّك تُعطيهِ الذي أنتَ آمِلُهُ
ولو لم يكن في كفه غيرُ رُوحِهِ
لجاد بها فليتقِّ اللهَ سائلهُ
هو البحر من أيّ النواحي أتيتَهُ
فلُجّتُهُ المعروفُ والجودُ ساحلُهُ
ومن أقوال الشيخ زايد الخالدة: «إن العمل الذي نؤديه لوطننا في هذه الدنيا، هو خير نذهب به إلى الآخرة».
وفي ذكرى وفاته، لا نرثي رجلاً غاب، بل نستذكر قيماً تتجدد في مسيرة وطن، وتتجسد في قيادة تسير على نهجه، وفي شعبٍ تربّى على حبه.
‏سقى الله مَبسمْ الشّهمْ الفَلاحِي
مِنْ انهَار النَّعِيمْ السّرمَدِيَّه
نسأل ﷲ الرحمة والرضوان للمؤسس الشيخ زايد بن سلطان، وسلام على روحه الطاهرة إلى يوم يبعثون، وجزاه عن شعبه وأمته خير الجزاء.
[email protected]