الانتقال بين الديانات يشبه رحلة سفر من كوكب إلى كوكب في سفينة فضاء من صنع صاحبها، هو تغيير في البيئة واللغة والتقاليد والعادات ونمط التفكير، ومعروف الكرخي مضى في طريق هذه الرحلة منذ نعومة أظفاره، إلى أن صار من كبار أئمة الصوفية ورموز الزهد والورع خلال القرن الثالث الهجري.
كان صبياً مسيحياً عادياً يتعلم على يد أستاذ، وكلما طلب منه معلمه أن ينطق عبارات دينية مثل أقرانه، فيرد: هو الواحد، هو الواحد، هو الواحد.
ولو لم تكن الرواية على لسان أخيه يوسف، ربما لا نصدقها، فكيف لصبي أن يدرك جوهر الإسلام دون أن يدله أحد: الله الواحد الأحد الصمد؟ وكان معلمه يشتاط فى ضربه، ففر منه ومن بيته إلى الدنيا الواسعة، وسَرِّح في دروب بغداد، وحين اقترب من سن الشباب التقى على بن موسى الرضا، فأسلم على يديه وكُنّي باسم علي وإن لم يشتهر به أبداً، وظل على اسمه القديم: معروف بن فيروز الكرخي نسبة إلى كرخ بغداد، وذكرت بعض كتب العرب أنه كُنّي أيضاً باسم «أبو محفوظ».
وبالرغم من أن على بن موسى الرضا كان من أئمة الشيعة المعروفين بالزهد والعلم والتقوى، وأخذ معروف عنه زهده لكنه كان سُنّياً ولم يتشيّع، خاصة وقد تعرّف على الإمام أحمد بن حَنْبَل واقترب منه ونقل عنه بعضاً من علمه.
وبالغ معروف في الزهد على يد المتصوف الكبير ابن السماك.كان ماراً بطرقات الكوفة، فوجده يعظ في الناس ويقول لهم: «من أعرض عن الله بكُلّيّته، أعرض عنه جملة، ومن أقبل بقلبه، أقبل الله برحمته عليه»، فوقعت هذه الكلمات في قلبه موقع العشق، وأقبل على الله بدوام العبادة والطاعة، ولزوم الفقر ومحبة الفقراء، حتى بلغ من أمره أنه أوصى في مرضه أن يتصدقوا بقميصه، ليخرج من الدنيا عرياناً كما دخلها.
وذاع تصوّف معروف بأنه «الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق»، وله أقوال حفرت لنفسها مكانة في ذاكرة الإنسانية، منها عبارة عابرة للزمان: إذا أراد الله بعبد خيراً فتح عليه باب العمل، وأغلق عنه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شراً أغلق عليه باب العمل وفتح عليه باب الجدل.
وبالمناسبة، الجدل غير الحوار والأخذ والرد، الجدل هو النقاش بهدف النقاش بحد ذاته، ليتغلب مجادل على مجادل أو على مجادلين آخرين وكفى.
آخر الكلام
معروف الكرخي
8 مارس 2026 00:05 صباحًا
|
آخر تحديث:
8 مارس 00:05 2026
شارك