نسيم الخوري
يبدو لبنان محاصراً بسؤالين: الأوّل وهو: ماذا سيحصل غداً؟ أمّا الثاني فقديم/متجدد: أنحن في خطى ب «الشرق الأوسط الجديد»الخاصة؟
لا يمكنك ربّما سوى التذكير وبالحبر الصريح بالحجر الأول الذي حصل مع إسقاط بغداد؟ ولنقل ببساطة أنّ ضياعاً داهماً ومفاجئاً يشغل أركان الدول بحثاً يتجدّد للإجابة عن السؤال الذي بات يشغلنا جميعاً في الشرق والغرب: ماذا عبر الجحيم المستيقظ بل إلى أيَ ملامح مستقبل تؤشّر الأصابع الرسمية التي تبدو وكأنها لم تُدرك مع أنها تتصور أنّ الأغطية الجديدة لم تكشف عنها بعد. سؤال: أنشهد نضج ملامح ما يترسّخ في الأذهان ب «الشرق الأوسط الجديد» عبر المخاطر والتحدّيات الضخمة العسكرية التي انتصبت أمامنا عالياً تغطّيها مظلات لا تُعد ولا تُحصى سياسية وإعلامية واسعة من الخطب والخطب المضادة وارتجاليات الشاشات وسحب الوثائق والنصوص وتجدّد التهامس بالتسميات والمسودات والوثائق والمشاريع؟
لنتذكرّ معاً: من «الشرق الأوسط» أو إلى «الشرق الأوسط الكبير» أو «الأكبر الواسع» أو «الموسّع» مروراً ب«الشرق الأدنى» أو «المتوسطية الأوروبية» تتغير الصياغات السياسية والجغرافيات وتتباين الرؤى لمنطقة ربّما نضجت لتلقف الخرائط والمبادرات، لتضمّ الدول العربية وتركيا وإيران وإسرائيل ودولاً في آسيا الوسطى تتوسع حتى باكستان وأفغانستان إلى دول القرن الإفريقي، بما يلمّح مجدّداً بمشروع الشرق الأوسط، الخريطة الباقية مسودة مبهمة تعسر قراءة ملامحها مع أن حبرها لم يبهت لكأنها غير محدودةٍ بزمان أو مكان.
كان يغطي الشرق الأوسط، 8 ملايين كم2، من مصر حتى أفغانستان شرقاً، يتوزع فوقها 16 بلداً تبدو فيه المساحة الضخمة موئلاً «لموزاييك» متنوع الأنظمة والمذاهب والعقول، تتراكم عبره أزمنةً معقدة من الاحتجاج والرفض والتعصب أثقلتها طويلاً التقسيمات والتجزئة. لا أُغالي بالنظر إلى هذه الرقعة الجغرافية الغنية الواسعة بوصفها سهلة التفكيك وإعادة التركيب عبر تواريخ وحروب واستراتيجيات إعادة التركيب التي حفظها التاريخ لحاقاً ب «كبار الأمم».
هذه البقع المميزة على تنوعها استحال وقد يستحيل خلطها أو محوها ما أثقل الشرق الأوسط بنكبات التاريخ منذ القرن 7 ق.م. قبل أن تتقدم مهداً للديانات التوحيدية الثلاث، إذ قامت في أرجائها الإمبراطوريات الأولى لحضارات ما بين النهرين بين القرنين 4 و2 ق.م وصيغت حضارات السومريين والساميين والحيثيين والحوريين ناهيك بثقافة النيل بعد توحد مصر الفرعونية منذ الألف 3 ق.م وصولاً إلى الإمبراطورية الآشورية فاعلةُ بمعالمها الحضارية خلال الألف الأول ق.م. وترسّخ النيل والفرات رمزين منهما تنبع ملامح تلاقح الثقافات والحضارات لتنهل شعوب فوق سطح الكرة المعارف والثقافات والأسرار التي يصعب استنفاذها.
أكتفي بالتذكير إلى أن دولاً معاصرة ثلاثة كانت بارزة في ميادين سلامة النفط وتصديره ولها أدوار كبيرة هي السعودية ومصر وتركيا، مصر للمراقبة عند السويس وحماية ناقلات النفط، وتركيا محطة الترانزيت للنفط العراقي، بينما السعودية صاحبة الدور الأكبر لتأمين الضخ والإشراف على مبيعات النفط من دول مجلس التعاون الخليجي. نعرف جميعاً أنّ الحماية باتت أمريكية وكانت تعمل في أطرها إيران النيو/ نووية لا النووية إلى مصاف الدول الأخرى عقب سقوط بغداد.
نعم. حصل معطى قوي مع الحرب العراقية الايرانية (1980 – 1988) مع تفجر الاحتقان على ضفاف الخليج بين شعبين تأسسا عبر التاريخ على الصراع، وخصوصاً مع الثورة في إيران (1979) إذ إنّ الفرات (204 كم) يرسم الحدود بينهما بامتداد 105 كم وهو ممر تاريخي يفصل بين الامبراطوريتين الفارسية والعثمانية أو بين عالمين عربي وآري لطالما جعلته حاجة البترول مجرى مائيّاً تُعقد فوق مياهه المبادلات الدولية في الطاقة كما في العلاقات والحياة. نذكّر أخيراً، بخروج العراق وإيران منهكتين في ال 1988 وبرعاية الأمم المتحدة حتى عاصفة الصحراء التي أسقطت اسطورة العراق لتبدو رقعة الشطرنج الشرق أوسطية لعبة خطرة بدت تُنذر بمتغيرات قد تهدد البشرية بانتظار الخرائط الجديدة.