د. نسيم الخوري
«ما كنت أحسبني أحيا إلى زمنٍ» تُصبح الكتابة فيه مشقّة عصيَّة دموية في أرضي اللبنانية وأرضي العربية وأرض العالم المجبولة بالدماء والخرائب وملامح القيامة على نسقي العقل والحضارة، كيف تحرّر أوطانك زمن انهيار العقول عبر إدمان حفر الأنفاق، وفيما لست تداري وتداوي لتعبر فتخاف أن تموت تكسيراً وتمزيقاً بكلّ ما لك وما يعنيك، ما يحصل بك وبلبنانك وبلاد العرب أوطانك يتنهّد أمامي علامات استفهام تتجاوز العقل والحبر.
أينقاد الحبر خلف بحور من حروب تسفّه حضارات القرن والعلم نراها تقيح بالدماء والأشلاء وتهديم المدن والأبراج لتجد نفسك وعائلتك ووطنك وبلاد العرب أوطاني ونصّك في أنفاق الخرائب وقتل الحضارة هذا هو اسمك؟ أنغور في أنفاق لا تملأها أعمدة السحاب وأعمدة حضارة البشرية في الأرض.
أكتب والكلب أمامي ينظر إلى القلم فيراه عصا، والذئب ينظر من قريب إلى يدي التي تحمله، أما الثعلب فأراه ينظر إلى العينين، هي الحكمة التي لا أتحدث بها عن الحيوان، لكونها تفضح طبقات الوعي عند البشر.
هنا يبدأ الذكاء الحقيقي الذي يتجاوز الذكاء المصطنع كي نقرأ أو نتهجّى فيما لم يحدث بعد.
تقول الحكمة القديمة لك بهدوء: ليس كل من فهم الخطر نجا، ولا كل من رأى اليد انتصر، الناجي من فهم العقل الذي قرر رفع العصا، لا تُشاغب العصا إذاً لأنّها عمياء، ولا تُخاصم اليد التي تتبدّل لكن أنظر بثباتٍ إلى العينين. لماذا؟ لأن هناك يولد الضرب، وهناك يُمكن أن يُلغى الشر.
أمس سكنتنا الطفولة البائسة في غزّة التي لم نتمكن من محو ملامحها بعد عندما راح الأطفال يغورون في صناعة الأنفاق يحفرون في الرمل أجيالاً مجبولة بالبؤس التاريخي والمقاومة الطبيعية التي لم تورث سوى ما شهدناه ونشهده من أنفاق نفسيّة تعجز عن إخراجنا منها نظريات عالم النفس فرويد، هي الصورة في لبنان التي ترذل الحبر والحضارة في استراتيجيات بناء الأنفاق، أمام أشلاء الأطفال الصغار الذين تتراوح أعمارهم بين السابعة والخامسة عشرة يمضون ساعات طويلة يحفرون الأنفاق بأيديهم تحت الأرض، لكأنهم تراب ينبش في تراب بحثاً عن مستقبل لا يُقبل، أو كأن هؤلاء قد اقتبسوا غريزتي النمل والنحل في هموم البقاء والتواصل والتبادل والقتال تحت التراب.
وماذا بعد؟
أقفل القرن العشرون الأبواب خلفه، على مئة وسبع حروب في العالم حصلت بعظمها بين مجموعات إثنية ودينية. كان الغريب فيها حضور المسلمين عبر أدوار وصراعات وقتال فيما بينهم ومع غيرهم من البوسنة والشيشان وكوسوفو ومقدونيا وأذربيجان وطاجكستان وكشمير والهند والفلبين وإندونيسيا وفلسطين ولبنان والسودان ونيجيريا وغيرها، واستقبل العالم الألفية الثالثة وكان العالم مشغولاً ب32 نزاعاً مسلّحاً يُظهرنا في 23 منها بأدوار ملحوظة ومشغولة جيّداً.
أننسى ما ولّد ويولّد هذا الحضور في الحروب قلقاً معقّداً عند العرب نفترق فيه عن الشعوب الأخرى عند لصقنا المُعلن أبداً بالإرهاب، بقي السؤال: ما خلفيات هذا العنف كلّه ودوافعه وأشكاله ونتائجه الدينية المصنوعة، وخصوصاً عندما نشهد البشرية تتابعه إذ فقأت عين الدنيا بفظائعها في الإعلام، لكأنّنا شعوب في الأرض في العصر الحجري يستبدلون الحجر بالقذيفة.
يسوقني التفكير، نحو ما يتردّد في التفريق بين الدين والتديّن، انطلاقاً من لجوء الشعوب حيال الأزمات والتحدّيات المستوردة، إلى التديّن العفوي فتختلط مسائل الدين بالدنيا توفيراً للحماية الاجتماعية أعني التجذّر في الطوائف والمذاهب والتعصب. تصبح الأديان ذي النبعٍ الإلهي الواحد خلاصاً للإنسان من أسئلة الفلسفة منذ الهند واليونان إذ صار بالإمكان إيجاد الأجوبة على الأسئلة الكبرى الشديدة التعقيد في الدين والدنيا عندما يعجز العقل في الإجابات فيحيلها إلى الخالق. وتورث المفارقات بين الأديان التوحيدية أسئلة صعبة ترتبط برؤية الناس لهذا الدين أو ذاك، أو بمدى حريّة البشر فيما يرون ويعتقدون. هكذا يبلغ الشطط مداه بين حضارتي السماء والإنسان ليبقى الدين للخالق والتديّن لرجال الدين والفكر والفلاسفة ورؤساء الدول المتدينين.
[email protected]
د. نسيم الخوري
أكتب مسكوناً بأرض الديانات السماوية العظيمة، لكنها الغارقة للأسف بالحروب الصاروخية الهائلة التي تُحقّر العصر والعلوم وتتجاوز حضارات البشرية في هذا القرن نكوصاً نحو ملامح البريّة الأولى في الأيام البشرية الأولى. إنها أرضنا المباركة التي كانت أساساً وستبقى أرض المهد البشري للعقل والإيمان والحكمة، أعني للرسالات التوحيدية الثلاث التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه متمثّلة في المسيحية والإسلام واليهودية.
تشترك الشعوب في الأصل الإلهي كما في التوحيد والإيمان بالكتب السماوية، أعني القرآن والإنجيل والتوراة، مهما تلوّنت واختلفت وبحثت وكتبت، أعني بالإنسانية الحضارية، لا بالحروب الوحشية المستوردة القاتلة للتواريخ والأديان التوحيدية العظيمة التي تحتلّ المقاعد العظيمة في رحاب جامعات العالم. إنها أرضنا جميعاً وهي للمصادفة الإلهية والحضارية الغنية أيضاً، أرض ولادة الأبجدية، أعني خطى الإنسان الأوّل واللسان الأوّل، ومنهما تفجّرت وتتفجر نعمة الشعر والفكر والغنى الجوفي البترولي ميسّر حركة البشرية في الأرض كما في البحار والفضاء عبر ناطحات السحاب التي تُساير الشموس والنجوم بقيت وستبقى كما كانت، المحطّات المُشرقة والأحضان العربية الدافئة لشباب العرب وخبراء الدنيا بحثاً عن العمل والثروة في عصر الذكاء الاصطناعي ومستقبل الإشراق السياسي والحضاري الذي يجعل الأجيال تنتظر حزينةً تتقفّى وعي العالم ونبضاته العلمية المتحفّزة عالمياً لا مرتعاً سهلاً للحروب المستوردة والضحايا والخرائب.
شاءت الصدفة اللعينة هذا الصباح بسبب الحروب الدموية الهائلة و«المستوردة» التي تشغل الدنيا، وعلى الرغم من النظرة المتفائلة بالعقل البشري في القرن الحضاري الذي نسي رقمه، أن أعايد أهلنا في الخليج وكل من يقرأ لغة الضاد في لبنان والعالم أن يُنشد معي حزيناً متفائلاً مع الشاعر أبو الطيّب المتنبي بالصوت العالي:
عيد بأية حالٍ عدت يا عيد بما مضى أم لأمر فيه تجديد
أمّا الأحبة فالبيداء دونهم فليت دونك بيداً دونها بيد.
نحن نعاين جنوبي لبنان وعلى مساحته المباركة كوارث الحرب «الغبيّة» لكأننا في الجحيم المُقيم، وقد شغل العالم، مترقبين يقظة ذات معنى معاصر لمفهوم العظمة الدولية اليوم، سواء في ألسنة الدول الكبرى منفردةً أو مجتمعة في مجلس الأمن والأمم المتحدة، على سبيل المثال، وقد كان جدّي الرئيس فارس الخوري من مؤسسيها ومجادليها.
أكتب في الخليج العربي وعنه، مع يقظتي بأنه شارف العالمية في موقعه وناطحات سحابه شرقاً عربياً غنياً وعظيماً لكنه ملتهب في حبرنا يترقّب دقّة النبض بتلك «الثقة الدولية» التي تتباطأ في خطوها حيال أوروبا أوّلاً وهي القريبة التي عرفناها، وكما أرجّح، نراها تلملم أطرافها السياسية حرصاً على وحدتها بعد هذا الجحيم غير المنتظر.
أبحث عن مفاهيم الثقة الضائعة المتحيرة اليوم بين مناحي الجهات الأربع للشرق والغرب المسكونة بالقلق بل بجنون العصف والقصف. وأكاد أرى لبنان باحثاً عن قشرته الوطنية، أهلوه شاردون في مدى الاتجاهات لرياح تهبّ دوّارة من جهات العالم، وتذري السكان والأجيال في المنافي وعارية في خيمٍ فوق رمال الشواطئ تبحث عن مبيت. ما يحصل يحمل تغيّر ملامح وجه الشرق الأوسط وفشل السياسات الدولية بحثاً عن النتائج السريعة المطّاطة التي قد لا تخطر على بال عاقل.
لماذا عدم الوضوح؟ لأن دولاً كبرى وتنظيمات مسلحة ومطابخ كبرى متعطشة أبداً للنفط تدير الصراع العالمي من الخلف بما ينذر بأن تتجول المعارك من جبهة لأخرى ولبناننا في الميدان الأول الذي ستبرز ملامحه الصعبة والمعقدة في المستقبل القريب. هناك مشاريع ربّما جدّية لإعادة النظر بالأمم المتحدة ودورها ومجلس الأمن والقوانين الدولية، لكننا نرصد معاً الإشارات التي تحيي المفهوم الحديث للنظام العالمي، بما سينبش معاهدات السلام الدولية ومفهوم الدولة الحديثة المستقلة ذات السيادة على أرض الوطن، وغياب أي دور خارجي في شؤون البلاد الداخلية. قد نصادفه في اللسان الأمريكي الرسمي الذي يعيدنا عبر توصيف نهضة العرب 365 سنة إلى الوراء. باشره كيسنجر مستنداً إلى معاهدة وستفاليا الاسم الذي أطلق على معاهدتي السلام اللتين تم التوقيع عليهما في 15 مايو/أيار و24 أكتوبر/تشرين الأول 1648 بالفرنسية لوقف حرب الأعوام الثلاثين في الإمبراطورية الرومانية المقدسة (ألمانيا اليوم)، وحرب الأعوام الثمانين بين إسبانيا وجمهورية الأراضي السبع الواطئة المتحدة.
[email protected]
نسيم الخوري
يبدو لبنان محاصراً بسؤالين: الأوّل وهو: ماذا سيحصل غداً؟ أمّا الثاني فقديم/متجدد: أنحن في خطى ب «الشرق الأوسط الجديد»الخاصة؟
لا يمكنك ربّما سوى التذكير وبالحبر الصريح بالحجر الأول الذي حصل مع إسقاط بغداد؟ ولنقل ببساطة أنّ ضياعاً داهماً ومفاجئاً يشغل أركان الدول بحثاً يتجدّد للإجابة عن السؤال الذي بات يشغلنا جميعاً في الشرق والغرب: ماذا عبر الجحيم المستيقظ بل إلى أيَ ملامح مستقبل تؤشّر الأصابع الرسمية التي تبدو وكأنها لم تُدرك مع أنها تتصور أنّ الأغطية الجديدة لم تكشف عنها بعد. سؤال: أنشهد نضج ملامح ما يترسّخ في الأذهان ب «الشرق الأوسط الجديد» عبر المخاطر والتحدّيات الضخمة العسكرية التي انتصبت أمامنا عالياً تغطّيها مظلات لا تُعد ولا تُحصى سياسية وإعلامية واسعة من الخطب والخطب المضادة وارتجاليات الشاشات وسحب الوثائق والنصوص وتجدّد التهامس بالتسميات والمسودات والوثائق والمشاريع؟
لنتذكرّ معاً: من «الشرق الأوسط» أو إلى «الشرق الأوسط الكبير» أو «الأكبر الواسع» أو «الموسّع» مروراً ب«الشرق الأدنى» أو «المتوسطية الأوروبية» تتغير الصياغات السياسية والجغرافيات وتتباين الرؤى لمنطقة ربّما نضجت لتلقف الخرائط والمبادرات، لتضمّ الدول العربية وتركيا وإيران وإسرائيل ودولاً في آسيا الوسطى تتوسع حتى باكستان وأفغانستان إلى دول القرن الإفريقي، بما يلمّح مجدّداً بمشروع الشرق الأوسط، الخريطة الباقية مسودة مبهمة تعسر قراءة ملامحها مع أن حبرها لم يبهت لكأنها غير محدودةٍ بزمان أو مكان.
كان يغطي الشرق الأوسط، 8 ملايين كم2، من مصر حتى أفغانستان شرقاً، يتوزع فوقها 16 بلداً تبدو فيه المساحة الضخمة موئلاً «لموزاييك» متنوع الأنظمة والمذاهب والعقول، تتراكم عبره أزمنةً معقدة من الاحتجاج والرفض والتعصب أثقلتها طويلاً التقسيمات والتجزئة. لا أُغالي بالنظر إلى هذه الرقعة الجغرافية الغنية الواسعة بوصفها سهلة التفكيك وإعادة التركيب عبر تواريخ وحروب واستراتيجيات إعادة التركيب التي حفظها التاريخ لحاقاً ب «كبار الأمم».
هذه البقع المميزة على تنوعها استحال وقد يستحيل خلطها أو محوها ما أثقل الشرق الأوسط بنكبات التاريخ منذ القرن 7 ق.م. قبل أن تتقدم مهداً للديانات التوحيدية الثلاث، إذ قامت في أرجائها الإمبراطوريات الأولى لحضارات ما بين النهرين بين القرنين 4 و2 ق.م وصيغت حضارات السومريين والساميين والحيثيين والحوريين ناهيك بثقافة النيل بعد توحد مصر الفرعونية منذ الألف 3 ق.م وصولاً إلى الإمبراطورية الآشورية فاعلةُ بمعالمها الحضارية خلال الألف الأول ق.م. وترسّخ النيل والفرات رمزين منهما تنبع ملامح تلاقح الثقافات والحضارات لتنهل شعوب فوق سطح الكرة المعارف والثقافات والأسرار التي يصعب استنفاذها.
أكتفي بالتذكير إلى أن دولاً معاصرة ثلاثة كانت بارزة في ميادين سلامة النفط وتصديره ولها أدوار كبيرة هي السعودية ومصر وتركيا، مصر للمراقبة عند السويس وحماية ناقلات النفط، وتركيا محطة الترانزيت للنفط العراقي، بينما السعودية صاحبة الدور الأكبر لتأمين الضخ والإشراف على مبيعات النفط من دول مجلس التعاون الخليجي. نعرف جميعاً أنّ الحماية باتت أمريكية وكانت تعمل في أطرها إيران النيو/ نووية لا النووية إلى مصاف الدول الأخرى عقب سقوط بغداد.
نعم. حصل معطى قوي مع الحرب العراقية الايرانية (1980 – 1988) مع تفجر الاحتقان على ضفاف الخليج بين شعبين تأسسا عبر التاريخ على الصراع، وخصوصاً مع الثورة في إيران (1979) إذ إنّ الفرات (204 كم) يرسم الحدود بينهما بامتداد 105 كم وهو ممر تاريخي يفصل بين الامبراطوريتين الفارسية والعثمانية أو بين عالمين عربي وآري لطالما جعلته حاجة البترول مجرى مائيّاً تُعقد فوق مياهه المبادلات الدولية في الطاقة كما في العلاقات والحياة. نذكّر أخيراً، بخروج العراق وإيران منهكتين في ال 1988 وبرعاية الأمم المتحدة حتى عاصفة الصحراء التي أسقطت اسطورة العراق لتبدو رقعة الشطرنج الشرق أوسطية لعبة خطرة بدت تُنذر بمتغيرات قد تهدد البشرية بانتظار الخرائط الجديدة.
[email protected]
د. نسيم الخوري
تبدّت هذه المسألة الشديدة التعقيد التي تخلط بين الثقافات والحضارات في عصر رقمي مشرّع بل مخلّع النوافذ والأبواب والحدود من المسائل المعقّدة التي شغلتنا سنوات من المناقشات الطويلة. تجد نفسك في عصر تنبسط أمامك أطباق البشرية بكلّ ما تحمله أسئلة الأجيال الرقمية من حولك وأحلامها المُقيمة في الشاشات لمناقشة الثقافات، بحثاً في الهويات البشرية حيث الأفكار الرخوة الهائمة والبالغة التعقيد تتدفق حتى التهور في توصيف المستقبل ومخاطره.
لسنا ندّعي حلولاً منطقيّة لهذه المسائل، لكنّنا وقّعنا على وجهها المظلم في ضوء العصر الجديد الذي نكابد أقصى الصعوبات فيه للتمييز الجديد بين الثقافة والحضارة في عصر العولمة الفضائية التي لا كوابح لها بعد.
كانت الحضارة على ارتباط وثيق بشيوع المدنية إثر نشوء الدول وتفاعل ثقافاتها. نجد أنفسنا منصاعين للاعتراف بالاختلاط المعقّد بين الحضارة والثقافة، بعدما راحت نرفع الأغطية السميكة عن الشعوب والأوطان بفضل تقنيات التواصل الفضائية اليسيرة. إنّنا في عصر من التحديات الثقافية الزئبقية المتدفقة عبر الشاشات المتنوّعة التي تعرّي الحضارات وتنسف العلاقات حتى العائلية من أطرها التقليدية بحثاً عن مسارات جديدة جاذبة للأجيال. نعم تخرج الأجيال عاريةً لتلقّحها الرياح العالمية مهما حاولنا التشبّث بخصوصياتنا. إنّ تشبّث شعب بثقافته وتاريخه أو عظمته ومحاولة التأكيد الفولاذي على هويته وثقافته الخاصة هو استراتيجية لا تستدعي سوى المخاطر التي تقود غالباً نحو الانتحار أو الاندثار.
تبدو شعوب العالم محكومة متزاحمة قطعاً بمقتضيات العولمة، للمزيد من الانفتاح والتحديث والتجديد والمعاصرة وفتح النوافذ والأذهان لثقافاتها جنباً إلى جنب مع ثقافات العالم الأخرى والاختلاط بها، وإلا فإنّها ستبقى مهدّدة بفقدان حضورها للتأثير والتغيير، سواء في حيّزها الضيّق أو عبر هبوب رياح الثقافات العالمية.
وهذا ما يورث التراجع والصراعات المُتحجّرة والانحطاط بدلاً من سلوك الطريق الأسهل للانخراط بالحضارات العالمية. ليس هناك من شعوب لا تتطلّع إلى العالمية في هذا العصر، مع أنّ الوصول إليها قد يختلف من دولةٍ إلى أخرى وفق تمتّع أنظمتها بشهوة الانفتاح التي ترفعها من الصراعات الضيقة، محلية كانت أو إقليمية، توخيّاً للانخراط في إنتاج الحضارات واستهلاكها حتى تتميّز بعالميتها.
لا يقودنا الخلط قطعاً بين الحضارة والثقافة إلى الإقرار بالمساواة بين المصطلحين، لأنّ الحضارة ليست مستوعباً جاهزاً للأفكار والعادات والقيم المتنوعة الهائلة التي تختزنها أو يتبادلها أبناء الثقافات في الشاشات. هناك إشكالية أكبر تدفعنا لإعادة النظر بمضامين الكثير من المصطلحات والاستراتيجيات والسياسات وآثارها، خصوصاً في بيوتنا ومدارسنا والجامعات والأجيال التي تسبق الجدود. لا أجازف بالإشارة إلى أنّ الثقافات تتقدّم وتنتشر عبر رياح العالم الفضائي الافتراضي مقابل تراجع الحضارات والأفكار التقليدية وأفول أثقالها القديمة. باتت المظاهر الثقافية حامية بل حاملة لبقايا الحضارات بدلاً من أن يكون الأمر، كما عهدنا عبر التاريخ، عكس ذلك حيث تحمل الحضارات الثقافات بأبعادها المتجدّدة بهدف تأمين ديمومتها وحضورها من دون خسارة مصالحها وتقدمها في العالم.
نلحظ، تدليلاً على ذلك، في العقدين الأخيرين نوعاً من النقد اليومي العام والقاسي لكلّ ما يعرف أو له علاقة بالمجتمع الدولي أو الأسرة الدولية أو الحضارة الدولية. هناك دعوات يومية في بقاع الأرض، لإصلاح الكوارث في دور المؤسسات الدولية والأمم المتّحدة ومجلس الأمن، لكأننا على أبواب عالم تميل فيه كبريات الدول في أوروبا اليوم إلى معاينة أسس حضاراتها أو الحضارة بشكلٍ عام فتتراجع تباعاً نحو القوميات الضيّقة ومعضلاتها القديمة، خلافاً لعصر الفضاء الذي تجد مفاتيحه بين أصابع الأجيال الرقمية.
قد يوحي المستقبل المسكون أمامنا بالتغيير والكشف عن عالم بحاجة دائمة إلى الكشف، إلى أنّ الثقافات مهما كانت معاييرها ومرتكزاتها فهي تتدفق، وليس هناك من وقت أو توقّف أو جدل عقيم وبحث طويل عن مصطلحات أو أزمنة قديمة وأفكار جامدة لدى مقاربة تسابق الحضارات بوصفها حاجة إنسانية ودولية خاصة، بل بكونها ظاهرة عالمية تلاصق الطبيعة البشرية تبدو مسكونة بالكشف عن عالم بحاجة دائمة إلى الكشف.
[email protected]
د.نسيم الخوري
يسكنني التفكير في أنّه لا يمكننا الجزم لمعاني ولمخاطر إيقاظ النعرات، الدينية والمذهبية، بأسبابها وأبعادها ونتائجها المخيفة التي حلّت وتتقدّم، لكأنها عامل مساعد في التغيير. من المبكر التسرّع في التفكير والبحث عن ملامح هذا التغيير باعتباره عناصر نهضوية معاصرة يمكن تقفّيها. ويبدو أن العديد من الدول في العالم لا تتقفّى، بل لا تتفهم استراتيجيات أمريكا المستمرّة والمتناغمة، بل المتماسكة بين الديمقراطيين والجمهوريين، لا للتراجع نحو الخلف بل نحو شعار شهير رفعه الرئيس دونالد ترامب، منذ ولايته الأولى: «أمريكا أوّلاً» بالمعنى القومي والحاسم للدولة العظمى، إذ كان من الممكن فهمه كاستراتيجية مؤجلة أو غير مؤجلة للتأهب مستقبلاً، لا نحو إيران والاتحاد السوفييتي والصين والشرق الأقصى، صعوداً وتسابقاً حافلاً بالصراعات والتفاهمات، تنقيباً لا عن ثروات الشرق وحسب، بل صعوداً نحو القطب المتجمّد الشمالي نسفاً لما تبقّى من جليده، وفتحاً لممرات تسهّل بعبورها جنوباً نحو الغرب عبر الدانمارك، ومنها نحو دول لا تُحدّ، ولا تُعد.
لنقُل ببساطة متابعين وسائل الإعلام اللامتناهية عالمياً مع ترامب الثاني الذي يوقّع قراراته بالأسود رافعاً تواقيعه في لوحات أمام العيون البشرية، تعني لمن لا يُدرك أنّ ما تمّ التوقيع عليه مرّ عبر المصافي الدقيقة، قبل وضعه فوق مكتب رئيس الدولة العظمى في البيت الأبيض، جاهزاً للتوقيع.
إنّنا وكأننا خارج قرون جوهر الأديان والصراعات الدينية بمعانيها وأبعادها وقيمها المتعدّدة الشائعة، بل نحن في عصرٍ يسخّر فيه الدين للأسف، عبر أجيال المتدينين المستعارين تعبيداً للطرق نحو الخيرات الجديدة المُقيمة في ذاكرات العظمة المتجدّدة، واستراتيجياتها في الأرض والمياه.
وصلت باريس في ال1972 بحثاً في مفاهيم الحداثة واستراتيجيات التحولات الدولية في جامعات السوربون التي تحوّلت أمام أعيننا متظاهرين إلى فروع، وأسقطت الجنرال شارل ديغول، وشرّعت أبواب فرنسا، ولربما دول متعددة في العالم، على اليقظة الدائمة للأجيال المتضافرة بحثاً عن الحريّة والكشف، والتغيير الذي هو حاجة بشرية وإنسانية دائمة إلى التغيير والتطوير.
اليوم، وبعد 53 سنة من تذويب الكيان في تعليم الأجيال في الجامعات، أستعيد هامة المفكّر الفرنسي الملحد أندره مارلو (1901-1976) الذي جذبنا شباباً ودمغ الأجيال والأذهان بما أسماه «جرثومة» التغيير، واضعاً مصطلح الجرثومة بين قوسين، عندما تسلّم وزارة الثقافة في فرنسا لسنواتٍ عشر من ال1959 حتّى ال1969 فاعتُبر مع رفيقه جان بول سارتر الذي عرفناه عن كثب في أساس الفكر التغييري وفكّ القيود وإطلاق حريات الأجيال عبر إطلاق الجامعات من سجونها الأكاديمية إلى ساحات فرنسا والعالم وتعميم النشيد العالمي الذي عُرف ب«يقظة الأجيال».
أمامي هذا النص بعنوان «القرن الواحد والعشرين هو قرن الأديان»، وهو عنوان مقابلة مارلو المذكور في مجلّة «لو بوان» الفرنسية عام 1955، أي قبل 70 عاماً من ال21 وفيها: «لا أستبعد إمكانية حدوث يقظة دينية لا على مستوى البلاد الإسلامية وحسب، بل على مستوى الكرة الأرضية... سيكون القرن الحادي والعشرون قرن الأديان والصراعات الدينية... وأقصد بالأديان بصفاتها تستعمل أحياناً أقنعة سياسية متنوعة وضرورية لحروب الدول والأنظمة في مناطق العالم المسيطرة عليها. سيستخدم الغرب الترسانات الأيديولوجية أسلحة فعّالة بين يديه لاحقاً، خصوصاً في الدول الإسلامية... إذ لكل بلد هويّة حضارية وفقاً لظروفه أو تناقضاته الاجتماعية وتكويناته الدينية والإثنية».
من تابع تفاصيل ما حصل في «دافوس»، مؤخراً، وما يحصل في مجاهل العلاقات الدولية يسكنه التوجّس والرعب بعدما تابعنا عيون العالم تحدّق نحو أقاصي الشرق بعين حمراء، لربّما لم تنم منذ سقوط البرجين، مهما جرّ من حبر ملتهب متناقض، وبسبب ما خلّفه من كوارث ودماء في الشرق الأوسط بما ضاعف القناعات والكلمات عينها بالمؤامرة. إننا نشهد بعث مظاهر الانقسامات وزج القوميات والأنظمة في مواقد الصراعات الدينية والمذهبية والحزبية التي علّقت الآمال الكبرى بالسجّادات الحمراء التي نسينا أنها رفعت الأغطية السميكة عن بعض الأنظمة عبر فصول الربيع العربي لتشكيل المنطقة المعقّد، وفقاً لنظام عالمي جديد قوامه نهضة عصور من الانفتاح والتواصل، وخرق الحجب السميكة عبر الانقلابات، والصراعات الحزبية، والشعبية، والمذهبية.
[email protected]
د. نسيم الخوري
رحت أتابع بكثيرٍ من الاهتمام أخبار وأنشطة أسبوع «التنمية المستدامة في الإمارات العربية المّتّحدة» منذ 11 يناير(كانون الثاني) الجاري حيث رحت أدبّج هذا النص منوّهاً بتلك البقعة العربية المسكونة قطعاً عبر قيادتها بسياسات التطوير عبر تطبيق الاستراتيجيات الدولية التي تشي بالحداثة والمعاصرة. لم يكن هذا الاهتمام بهدف الهروب من أجواء لبنان وغير لبنان والأخبار الملبّدة في المحيط لا بل في الإقليم وحسب، بل لأكثر من سبب.
1- علمي محض، عبر شعوري بأنّ الأمر تجاوز الأسبوع بالمقاييس الزمنية وفقاً لمفاهيم الأزمنة سواء في لبنان أو في العديد من الدول بما يمثل تجربة تتجاوز الطابع الحدثي العربي العام إلى فهم الوظائف المعرفية والاستراتيجية الطويلة الأمد. كيف؟ جميل أن تقرأ أدبيات وأنشطة تُسهم في دمج الاستدامة في الوعي العام من حيث دعم التحولات الاقتصادية، وتقوية استراتيجيات الحوكمة البيئية بالإضافة إلى إعلاء مسائل المقاربات التشاركية في التنمية وتحويل مفاهيم الاستدامة من النظريات المكتوبة إلى الممارسات العينية في المؤسسات والمجتمع الإماراتي بشكلٍ شيّق ومتكامل.
وقد لا تتّضح أهمية هذا الأسبوع إلاّ إذا أعلنت للقراء بأننا نحيا جميعاً في عصر من العولمة التي لا يمكن اللحاق بتفاصيلها وتباشيرها النهضوية في عالم برّاق تحت أنظار المتابعين واهتماماتهم لإدراك مدى ما يواجه البشرية اليوم من تحديات بيئية واقتصادية متزايدة.
2 - شخصي، وله قيمة كبرى علمية في سيرتي إذ إنني تلقّيت شاكراً في شهر ديسمبر(كانون الأول) 2023 شهادةً من «المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم» بمناسبة الاحتفال بنجاح فترة مهمات السفير فوق العادة لدى الألكسو«لدولة الإمارات العربية المتّحدة» شهادة غالية باعتبارنا:«نموذج قدّم إبداعات مهمة في العديد من المجالات إذ كان للعطاء والجهود الطيبة الأثر العميق في الثقافة وتنوع التراث العربي والمساعدة في الحفاظ على تراثنا للأجيال العربية القادمة. وممّا فيها أيضاً «أنّ إنجازاتكم شهادة على إلهام الأجيال المقبلة من رواد الثقافة العرب لسنوات قادمة خدمة للحفاظ على بريق الثقافة العربية». أعتذر لهذه الإشارة التي جعلتني مثابراً أكثر فأكثر على أنشطة الإمارات مع العلم أنني زرت إمارة دبي وذلك بدعوة رسمية في 2008 إثر حرب غزة التي ما زالت تغزو العين العالمية حيث كان لي محاضرة خاصة بحضور 500 إعلامي للإجابة عن سؤال بصفتي مديراً لكلية الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية قوامه: أيحقّ لنا نحن العرب التلويح بمشاهد القتل والعنف والدماء عبر الشاشات العربية مع أنّ انهيار البرجين في الولايات المتحدة الأمريكية لم يرشح عنه صورة واحدة مقززة ومخضبة بالدماء؟
3- جاء أسبوع التنمية المستدامة مناسبة حافلة بالاتصالية عنوان العصر بصفتها استراتيجية معاصرة وازنة تتمحور في تمكين قدرات القادة على تشكيل الرأي العام. إن التغطية الإعلامية المكثفة، بالإضافة إلى الحضور البارز على المنصات الرقمية، ساهما في تحويل ظاهرة الاستدامة إلى محور نقاش عام لم يعد يقتصر على الدوائر الضيقة المتخصصة وهو ما عزّز، في نظري صورة الإمارات كدولة متميّزة وفاعلة تتجاوز قضاياها وقضايا محيطها إلى فضاءات القضايا العالمية، إذ برزت قدراتها الواضحة على إمكانيات الجمع التحديثية بين التنمية الاقتصادية والمسؤولية البيئية. وبحثاً عن عنوان سكنني لهذا المقال في أسبوع التنمية المستدامة أثناء تحريره كانت تلاحقني فكرة أنّه فترة وأنشطة إماراتية عربية رأيتها عبر هذا الدور الوسيط إمارة معاصرة بل رائدة في المعاصرة قادرة على ابتكارات تسمح بابتكار فضاءات تفاعلية مؤهّلة حضارياً وعلميّاً للجمع المنطقي والريادي بين أجيال الأكاديميات وصناع القرار والقطاع الخاص الواسع الميادين والنجاحات، بالإضافة إلى المجتمع المدني بصفته عنوان القرن بما يفضي إلى إشراك المجتمع لنجاح أي استراتيجية مستدامة، إذ لم تعد تفي السياسات بالغرض من دون خلق مناخات مجتمعية واعية داعمة.
وضع الأسبوع الإماراتي الأسس الثابتة عاكساً صورة المجتمعات العادلة الكفيلة بضمان حقوق المواطنين الأساسية وفتح مبدأ تكافؤ الفرص أمام جميع أفراد المجتمع وأجياله المتلاحقة عبر التعليم والصحة دون أي نوع من أنواع التمييز.
[email protected]