د. نسيم الخوري

أكتب مسكوناً بأرض الديانات السماوية العظيمة، لكنها الغارقة للأسف بالحروب الصاروخية الهائلة التي تُحقّر العصر والعلوم وتتجاوز حضارات البشرية في هذا القرن نكوصاً نحو ملامح البريّة الأولى في الأيام البشرية الأولى. إنها أرضنا المباركة التي كانت أساساً وستبقى أرض المهد البشري للعقل والإيمان والحكمة، أعني للرسالات التوحيدية الثلاث التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه متمثّلة في المسيحية والإسلام واليهودية.
تشترك الشعوب في الأصل الإلهي كما في التوحيد والإيمان بالكتب السماوية، أعني القرآن والإنجيل والتوراة، مهما تلوّنت واختلفت وبحثت وكتبت، أعني بالإنسانية الحضارية، لا بالحروب الوحشية المستوردة القاتلة للتواريخ والأديان التوحيدية العظيمة التي تحتلّ المقاعد العظيمة في رحاب جامعات العالم. إنها أرضنا جميعاً وهي للمصادفة الإلهية والحضارية الغنية أيضاً، أرض ولادة الأبجدية، أعني خطى الإنسان الأوّل واللسان الأوّل، ومنهما تفجّرت وتتفجر نعمة الشعر والفكر والغنى الجوفي البترولي ميسّر حركة البشرية في الأرض كما في البحار والفضاء عبر ناطحات السحاب التي تُساير الشموس والنجوم بقيت وستبقى كما كانت، المحطّات المُشرقة والأحضان العربية الدافئة لشباب العرب وخبراء الدنيا بحثاً عن العمل والثروة في عصر الذكاء الاصطناعي ومستقبل الإشراق السياسي والحضاري الذي يجعل الأجيال تنتظر حزينةً تتقفّى وعي العالم ونبضاته العلمية المتحفّزة عالمياً لا مرتعاً سهلاً للحروب المستوردة والضحايا والخرائب.
شاءت الصدفة اللعينة هذا الصباح بسبب الحروب الدموية الهائلة و«المستوردة» التي تشغل الدنيا، وعلى الرغم من النظرة المتفائلة بالعقل البشري في القرن الحضاري الذي نسي رقمه، أن أعايد أهلنا في الخليج وكل من يقرأ لغة الضاد في لبنان والعالم أن يُنشد معي حزيناً متفائلاً مع الشاعر أبو الطيّب المتنبي بالصوت العالي:
عيد بأية حالٍ عدت يا عيد بما مضى أم لأمر فيه تجديد
أمّا الأحبة فالبيداء دونهم فليت دونك بيداً دونها بيد.
نحن نعاين جنوبي لبنان وعلى مساحته المباركة كوارث الحرب «الغبيّة» لكأننا في الجحيم المُقيم، وقد شغل العالم، مترقبين يقظة ذات معنى معاصر لمفهوم العظمة الدولية اليوم، سواء في ألسنة الدول الكبرى منفردةً أو مجتمعة في مجلس الأمن والأمم المتحدة، على سبيل المثال، وقد كان جدّي الرئيس فارس الخوري من مؤسسيها ومجادليها.
أكتب في الخليج العربي وعنه، مع يقظتي بأنه شارف العالمية في موقعه وناطحات سحابه شرقاً عربياً غنياً وعظيماً لكنه ملتهب في حبرنا يترقّب دقّة النبض بتلك «الثقة الدولية» التي تتباطأ في خطوها حيال أوروبا أوّلاً وهي القريبة التي عرفناها، وكما أرجّح، نراها تلملم أطرافها السياسية حرصاً على وحدتها بعد هذا الجحيم غير المنتظر.
أبحث عن مفاهيم الثقة الضائعة المتحيرة اليوم بين مناحي الجهات الأربع للشرق والغرب المسكونة بالقلق بل بجنون العصف والقصف. وأكاد أرى لبنان باحثاً عن قشرته الوطنية، أهلوه شاردون في مدى الاتجاهات لرياح تهبّ دوّارة من جهات العالم، وتذري السكان والأجيال في المنافي وعارية في خيمٍ فوق رمال الشواطئ تبحث عن مبيت. ما يحصل يحمل تغيّر ملامح وجه الشرق الأوسط وفشل السياسات الدولية بحثاً عن النتائج السريعة المطّاطة التي قد لا تخطر على بال عاقل.
لماذا عدم الوضوح؟ لأن دولاً كبرى وتنظيمات مسلحة ومطابخ كبرى متعطشة أبداً للنفط تدير الصراع العالمي من الخلف بما ينذر بأن تتجول المعارك من جبهة لأخرى ولبناننا في الميدان الأول الذي ستبرز ملامحه الصعبة والمعقدة في المستقبل القريب. هناك مشاريع ربّما جدّية لإعادة النظر بالأمم المتحدة ودورها ومجلس الأمن والقوانين الدولية، لكننا نرصد معاً الإشارات التي تحيي المفهوم الحديث للنظام العالمي، بما سينبش معاهدات السلام الدولية ومفهوم الدولة الحديثة المستقلة ذات السيادة على أرض الوطن، وغياب أي دور خارجي في شؤون البلاد الداخلية. قد نصادفه في اللسان الأمريكي الرسمي الذي يعيدنا عبر توصيف نهضة العرب 365 سنة إلى الوراء. باشره كيسنجر مستنداً إلى معاهدة وستفاليا الاسم الذي أطلق على معاهدتي السلام اللتين تم التوقيع عليهما في 15 مايو/أيار و24 أكتوبر/تشرين الأول 1648 بالفرنسية لوقف حرب الأعوام الثلاثين في الإمبراطورية الرومانية المقدسة (ألمانيا اليوم)، وحرب الأعوام الثمانين بين إسبانيا وجمهورية الأراضي السبع الواطئة المتحدة.

[email protected]