في كتابه «ما بعد الاستعمار.. إفريقيا والبحث عن الهوية المسلوبة» (ترجمة أمين الأيوبي) يشير أشيل مبيمبي إلى أن طرح موضوع الفلسفة الإفريقية يثير الكثير من الإشكاليات المنهجية والتعريفية، خاصة أن هذه الفلسفة لا تهتم بالأنساق الفلسفية المجردة، كما هو الحال في الفلسفة الغربية، خاصة الحديثة منها، بل هي فلسفة تعبر عن أنماط من الحكمة المرتبطة بالحياة المعيشة في المجتمع الإفريقي.
كان الهدف الذي ترمي إلى تحقيقه هذه الحكمة الإفريقية هو تأسيس منظومة من القيم الإنسانية السامية التي يتشارك في بنائها البشر جميعاً، وتكون متوافقة ومنسجمة مع القوانين الطبيعية والكونية التي ترشد المؤمنين بها إلى فعل الخيرات وتجنب الشرور، ولكن للأسف لم تحظ هذه الفلسفة أو الحكمة الإفريقية بالاهتمام اللائق بها.
عواقب
في هذا الكتاب يكشف مبيمبي عن بعض العواقب بعيدة المدى الناتجة عن التأثيرات النظرية والعملية للعنف الذي مارسه المستعمر مع الأفارقة، من خلال التطرق إلى وقائع تاريخية صحيحة وقعت للمجتمعات الإفريقية، حيث ارتكب المستعمر أفعال تدمير، لها خاصية إخفاء معاناة البشر ودفنها في دائرة لا نهائية، يقع مركزها في مكان آخر.
كانت مهمة المستعمر لإفريقيا هي ضبط الجسد بهدف استخدامه في أعمال تعود على المستعمر ذاته بالنفع أو بعبارة أخرى استغلال المستعمر جسد الإفريقي لزيادة الإنتاج وهذا الذي يفسر لماذا كان العنف الجسدي في الحقبة الاستعمارية وسيلة من وسائل جني الأرباح وزيادة الإنتاج، أي تم اختزال دلالة العنف هنا لدواع اقتصادية كما أدى الضرب بالسياط إلى فرض هوية مختلفة على الإفريقي وهي هوية الخضوع من دون شروط.
أصول إشكالية
يوضح الكتاب أن المركزية الأوروبية الغربية اعتقدت أن الغرب هو أصل الحضارة ومنبع المعرفة بأشكالها المتعددة، ولا يكتفي هذا المعتقد بهذا الزعم، بل يؤسس معرفياً لصورة دونية تحقيرية للحضارات والمعارف والشعوب غير الغربية، كونها حضارات قامت على القمع ومعارف بدائية خرافية فشعوبها مقلدة مستهلكة، لم تبلغ مرحلة الوعي بالذات.
عمل الغرب على تشويه المفاهيم التي يرى الإفريقي العالم من خلالها، وأول أشكال التشويه هو عدم الاعتراف بوجود الإفريقي الزنجي نفسه كذات، قادرة على التفكير وصياغة عقلانية تمكنه من رؤية العالم رؤية حقيقية ومن ثم كانت العقلية الإفريقية أو عقلية جنوب الصحراء أو إفريقيا الزنجية وفقاً للمستعمر، عقلية بدائية متوحشة، فهو لا يصدر عنه عمل فكري أو سلوك أخلاقي قصدي له دلالة رشيدة، الأمر الذي يصعب تصنيفه ككائن حي له عقل، أو كشخص يتطلع إلى السمو باختصار هو مجرد شيء غير جدير بصفة الوجود.
كانت المهمة التي اضطلع بها بعض فلاسفة إفريقيا مزدوجة فقد حاولوا أولا تجاوز المركزية الأوروبية الغربية من خلال إعادة طرح إشكالية الهوية الأفريقي تاريخياً وأنثروبولوجياً وفلسفياً، بإحداث قطيعة معرفية مع المفاهيم التي وسمت بها هذه المركزية الإفريقي الزنجي الأسود بسمات محددة على أساس العرق.
إضافة إلى ذلك عمل هؤلاء على بناء فكر جديد يستند إلى الهوية الإفريقية المكتشفة من خلال إعادة كتابة تاريخ القارة، المكتوب والشفاهي، بحثاً عن قيم التسامح والانفتاح وقبول الآخر والنهوض بوعي الإفريقي الزنجي المقهور الذي يعيش وفق وضعية تحتاج إلى من ينقذه ويصل به إلى بر الأمان، باختصار كان هدف فلاسفة إفريقيا خاصة المنتمين إلى إفريقيا الزنجية، هو تأسيس فكر إفريقي منفتح يدافع عن قيم الزنوجة بالمعنى الإفريقي وليس بالمعنى الاستعماري المتخيل الذي كان ينظر إلى الزنجي باعتباره مجموعة من التطورات الفوضوية التي طرأت على الإفريقي الذي تم تصويره على أنه شخص شبه عارٍ، شعر أجعد، شفتان غليظتان، وجه مغطى بالشقوق، رائحته قذرة، عاجز عن التفكير.
منهجية
يثير الفيلسوف الكاميروني أشيل مبيمبي أستاذ الفكر السياسي بجوهانسبرج جنوب إفريقيا، العديد من الإشكاليات الفلسفية التي يقاربها من خلال منهجية التفكيك تارة، والتأويل تارة أخرى، وازدادت شهرته نتيجة إسهاماته الفكرية، في مجلة الثقافة العامة التي يصدرها قسم الإعلام والثقافة والاتصال التابع لجامعة نيويورك الأمريكية، واستطاع أن يطور فلسفة إفريقية كان لها تأثيرها ليس في القارة الإفريقية فحسب، بل في أوروبا وأمريكا الشمالية أيضاً، فقد قدم قراءة فينومينولوجية لوضعية الإفريقي الذي نظر إليه على أنه سلعة.
تهدف القراءة الجديدة إلى معرفة أشكال السلطة المختلفة التي مارسها الاستعمار الأروروبي في إفريقيا، وخاصة في الكاميرون، إضافة إلى ممارسات السلطة المحلية بعد الاستعمار، بهدف الوقوف على التعقيدات المعيشية في الحياة الإفريقية على المستويات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والمعرفية، حيث قدم مبيمبي تحليلاً للخطاب الاستعماري الذي يؤسس لتفوقه الفكري والسياسي والحضاري الثقافي، من خلال رسم صورة ذاتية للأوروبي الغربي يضفي عليها دلالات معينة بحيث تتشكل هويته وفقاً لمفهوم الغيرية، وهو المفهوم الذي يحدد هذا الخطاب على أساسه صورة الإفريقي الزنجي المتخيلة وهي الافتقار إلى العقل والمهدد دوماً بالجنون.
أشكال الهيمنة
يحاول مبيمبي التنظير معرفياً لبناء إفريقيا جديدة تكون مؤهلة لقيادة العالم مستقبلاً لما تحمله هذه القارة من قيم التسامح والانفتاح لكن ثمة عوائق كثيرة، فاستقلال إفريقيا من الاستعمار لم يمنع أشكال الهيمنة الأخرى الاقتصادية والسياسية والعسكرية من داخل الدول الإفريقية ذاتها أن تمارس أشكالاً من الهيمنة تطابق في بعض الأحيان ممارسات المستعمر ذاته، وفقاً لمبيمبي لا يتحقق الاستقلال الحقيقي إلا عندما يتوقف صدام الهويات الناشئة عن حروب الدين والسياسات الاقتصادية والاجتماعية القائمة على القمع والعنف.