نبيل سالم
كثيراً ما نسمع أو نقرأ عما يسمى الذباب الإلكتروني، وخاصة في المناطق التي تشهد اضطرابات وسجالات سياسية ساخنة، أو خلال الحروب والأزمات الاجتماعية أو الاقتصادية، حتى غدا هذا المصطلح أشبه باللازمة التي ترافق الأحداث والاضطرابات السياسة والخلافات بين الدول، فما معنى هذا المصطلح؟ ومتى انتشر استخدامه؟ وما الدور الذي يلعبه سواء في عالم السياسة أو المجتمع؟
أسئلة كثيرة ومتشعبة تطرح نفسها بقوة حول ظاهرة الذباب الإلكتروني، وهي أسئلة لا بد منها، لكن الإجابة عنها تتطلب معرفة تاريخ ظهور هذا المصطلح، وسبب هذه التسمية. فكما هو معروف، في عصرنا الحالي الذي يشهد تطوراً كبيراً في التكنولوجيا والمعلوماتية، لا سيما في ظل تطور التقنيات الرقمية، باتت القدرة على التواصل بين البشر غاية في السهولة، وخاصة بعد ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، وهي شكل من أشكال التواصل الإعلامي، التي يتبادل المستخدمون من خلالها المعلومات والأفكار والرسائل الشخصية والمحتويات الأخرى (مثل مقاطع الفيديو) وغيرها.
لكن الأمر المثير للجدل أنه في هذا العصر المتخم بالاختراعات وتقنيات الذكاء الاصطناعي وغيرها من الاكتشافات العلمية لم تعد الحقيقة هي الأساس الوحيد في تشكيل الرأي العام، بل باتت القدرة على التلاعب بالوعي الجماهيري من خلال الأوهام والأكاذيب التي تحدد مسار الأحداث والنقاشات العامة في كثير من الأحيان، وهو أمر مؤسف وخطر.
وفي هذا السياق، برزت ظاهرة الذباب الإلكتروني كواحدة من أخطر الأدوات الرقمية التي تستخدمها جهات عديدة لبث الفوضى وتشويه الحقائق، وإسكات الأصوات الحرة، وبث الفرقة في صفوف المجتمعات.
ويعود ظهور هذه التقنيات عملياً إلى أواخر السبعينيات من القرن الماضي، عندما أطلقت شبكة (يوز نت) تطبيقات تسمح للمستخدمين بنشر واستقبال الرسائل ضمن مجالات موضوعية أطلق عليها في حينه «مجموعات الأخبار».
ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي بشكل واسع مع بدايات القرن الحادي والعشرين، اكتسبت مواقع التواصل الاجتماعي شعبية واسعة لا سيما موقع «فيسبوك» أحد أشهر مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يضم مليارات المستخدمين حول العالم.
كما زاد عدد المواقع المخصصة للتواصل الاجتماعي وتنوعت أشكالها وأهدافها، ولكن على الرغم من أن الهدف المعلن لهذه التقنية كان في حينه هو إيجاد فضاءات للتعبير الحر أو النقاش العمومي المفيد، إلا أن الحقيقة المؤسفة أن هذه الساحات الحرة للنقاش، تحولت في العقود القليلة الماضية إلى ساحات صراع غير معلن، تدار فيها حروب ناعمة تستهدف الوعي الجمعي قبل أي شيء آخر، وتزايدت المخاوف بشأن الآثار السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي بسبب استغلالها من قبل أناس مغرضين، يعملون لأجندات خارجة عن القوانين والأعراف والقواعد الأخلاقية، وهو ما دفع بالكثير من المتخصصين إلى التحذير من استغلال
مواقع التواصل الاجتماعي في نشر مواد ومحتويات مخلة بالآداب أو الشماتة بالآخرين.
لكن المشكلة التي تبدو أكبر وأكثر اتساعاً جغرافياً هي تحول بعض مواقع التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه المستنقعات التي يكثر فيها «الذباب الإلكتروني» وطغيان الإعلام (المتفلت) الذي بات لا ضابط له ولا رقيب، والذي يضم مجاميع عنكبوتية عبر مجموعات أو منظمات، وعصابات وحتى دول تعمل على توجيه أو تغيير اتجاه (الرأي العام) حيال قضية أو فكر أو معتقد ما، الأمر الذي أشعل حروباً في الفضاءات الإلكترونية، لا تقل خطورة عن المعارك الحقيقية، نظراً لأهمية الكلمة وقوتها في التأثير، وهو الأمر الذي يظهر جلياً في عالمنا العربي، حيث ما إن تلوح في الأفق بوادر أي خلاف أو أزمة مهما كانت ضئيلة بين بلد عربي وآخر، حتى تستنفر جيوش وعصابات الذباب الإلكتروني لتأجيج هذا الخلاف ونشر الأكاذيب وهو ما تعاني منه بعض الدول، ومنها دولة الإمارات التي تتعرض بين الحين والآخر لموجة من هذا «الذباب الإلكتروني» وخصوصاً من جماعة «الإخوان المسلمين»، بهدف تشويه صورتها وإنجازاتها.
ولذلك لا بد من أن يتم التصدي لهذا السيل الجارف من (الذباب المؤذي المسموم)، الذي دخل علينا من كل الأبواب والنوافذ وتسلل إلى حياتنا على حين غرة.