ثمة سؤال يطرح نفسه في عقول الكثير من المتابعين لقضايا الشرق الأوسط، وهو عن سبب استعصاء حل المشكلات والأزمات التي تعيشها هذه المنطقة؟
منذ ظهور مصطلح الشرق الأوسط، وهو مصطلح بريطاني استعماري يشمل المنطقة الجغرافية التي تمتد من شرق البحر الأبيض المتوسط إلى الخليج العربي، ومن بحر قزوين والبحر الأسود شمالاً إلى المحيط الهندي جنوباً.
وعلى مدار عشرات السنين، شهدت هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم، الكثير من المحاولات الغربية لرسم حدودها الجغرافية، ولا سيما في المنطقة العربية، بما يتناسب ومصالحها الاستعمارية، وأبرزها معاهدة سايكس -بيكو التي سعت هذه القوى الاستعمارية من خلالها إلى إعادة رسم المنطقة وفق هندسة سياسية ترمي إلى تقسيم الشعوب وتقاسم الغنائم بعد الحرب العالمية الأولى، عبر خرائط رسمها المستعمرون، ظناً منهم أن ما رسموه على الورق سيصبح واقعاً ومجالاً جغرافياً مستقراً، وهو ما لم يتحقق ولن يتحقق أبداً، لأن هذه الخطوط الاستعمارية لم تمر عبر الجغرافيا فقط، وإنما كان عليها أن تمر عبر الهوية والذاكرة والانتماء، الأمر الذي جعل هذه الخطوط حدوداً هشة، زرعت البذور الأولى لصراعات لم تنته، ولاسيما في أعقاب قيام المشروع الاستعماري الصهيوني في فلسطين، وإقامة إسرائيل عام 1948، بعد أن شكل الانتداب البريطاني لفلسطين في سبتمبر/أيلول 1923، تحت مظلة عصبة الأمم آنذاك، القناع الناعم للوجه الاستعماري القبيح، بحجة مساعدة الشعوب على حكم نفسها. ومع دخول العالم حقبة الحرب الباردة، تحول الشرق الأوسط إلى ما يشبه رقعة الشطرنج، تتجاذبها الصراعات الداخلية والإقليمية والتدخلات الخارجية، التي سعت من خلالها الدول الكبرى إلى إعادة تشكيل هذه المنطقة بما يحقق مصالحها.
وكان الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 مثالاً صارخاً على محاولات تغيير الأنظمة والمعادلات السياسية بالقوة، وفرض معادلات من الخارج، لكن ذلك لم يتحقق، وإنما فتح الباب على الفوضى في منطقتنا العربية كلها، واستيقظت صراعات وتناقضات جديدة، وظهرت هويات كانت مكبوتة، ونمت تيارات متطرفة تتقن استغلال الفرص واغتنام حالة الفراغ.
واستمرت المحاولات الاستعمارية لإعادة تشكيل المنطقة، ونهب خيراتها، مع إطلاق شعارات وأهداف جديدة، كما هو الحال في شعار «الشرق الأوسط الجديد» الذي أطلقته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس عام 2006، واصفة إياه بالفوضى الخلاقة التي ستعيد تشكيل المنطقة.
وكان الهدف واضحاً من وراء هذا الشعار، وهو إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط وتغيير موازين القوى بما يناسب المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
ويأتي ذلك في وقت يتزايد فيه الحديث، ولاسيما في الغرب، عن شرق أوسط جديد، وإن كان بصيغ مختلفة، لكن الثابت الذي لا يقبل التبدل، هو أن الشرق الأوسط يظل محتفظاً بصفاته الأكثر إثارة وهي أنه لا يمكن أن يتقبل التغيير الذي يفرض من الخارج، وهو ما يفسر عناد هذه المنطقة، التي تعد منطقة غاية في التعقيد، فهي منطقة ذات ثقافات عديدة، تتداخل فيها الأديان، وفيها تتقاطع الحضارات، وفيها أيضاً تتزاحم المصالح، ولذلك فإن كل محاولة لتغيير هذه البقعة من العالم بالقوة تتحول إلى خطأ تاريخي كبير.
ومن هذه الحقيقة التي لا تقبل التشكيك بها، سيظل الشرق الأوسط، بكل ما يحمله من تناقضات وصراعات معقدة، عنيداً أمام محاولات التغيير من الخارج، ليس لأنه يرفض العالم، بل لأنه يصر أن يكون نفسه.
فهذه المنطقة ليست مجرد جغرافيا وإنما مهد حضارات وأديان، مما يجعل فرض نماذج خارجية أمراً صعباً بل مستحيلاً.
الشرق الأوسط العنيد
4 أبريل 2026 00:02 صباحًا
|
آخر تحديث:
4 أبريل 00:02 2026
شارك