رضا السميحيين

يعد أدب المذكرات من أكثر أنواع الكتابة التي يمكن أن نعتبرها ملتصقة بالإنسانية، إذ يتخلى فيها الكاتب عن حواجز كثيرة بينه وبين ذاته، حين يقرر أن يفتح كتاب عمره على الآخرين، ونحن اليوم بفعل أو تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، فإننا غالباً أصبحنا نميل أكثر نحو البوح، ونعيش في فترة زمنية تفيض بالاعترافات دون تحفظ، لذا فعودة هذا الجنس الأدبي إلى الواجهة غير مستغرب.
جمالية هذا الأدب تكمن في حالته السردية، فلا هو رواية متخيلة، ولا هو تدوين تاريخي بحت، وغالباً يكون بنمط الكتابة الشخصية التي تقول هذا ما حدث لي، وهذا ما فهمته من حياتي، لذلك يقرأ الناس المذكرات بحثاً في أعماق التجربة الإنسانية للكاتب، ولحظات الضعف التي مر بها، والبوح بأسرار أو تفاصيل الحدث من دون تلميع، فمن خلال المذكرات نكون أمام محاولة لترتيب الحياة ضمن سياق زمني متماسك، كما لو أن الكاتب يمسك الزمن بيده، ويضعه على الورق.
لكن هذا النوع من الكتابة يطرح مشكلة وهي هل المذكرات صادقة فعلاً؟، الإجابة المنطقية هنا أن الكاتب حين يكتب حياته، لا يستطيع أن يكون محايداً تماماً، النبش في الذاكرة عادة ما يكون حالة انتقائية، والإنسان يميل إلى تبرير أفعاله، لهذا تقرأ المذكرات بشيء من الحذر وأحياناً الشك، باعتبار أنها ليست الحقيقة الكاملة.
من هنا يمكن أن نقول إن قيمة المذكرات تكمن في شجاعتها، أن تكتب بتجرد كامل وبمكاشفة عالية، فالمهم فيها الصدق أكثر من الدقة التاريخية التوثيقية، ليس سهلاً أن يكتب الإنسان عن نفسه بوضوح، لذا نجد الكثير من المذكرات تقع في فخ التجميل، فيظهر الكاتب بصورة البطل أو صاحب موقف صائب، وهنا تكمن الإشكالية حين تصبح المذكرات أشبه بمرافعة دفاعية عن النفس، أكثر من كونها بوحاً إنسانياً.
على المستوى العربي، يشكل أدب المذكرات مساحة فكرية تأملية غنية، تسهم في تشكيل الوعي الجمعي العربي، فالمذكرات التي كتبها المفكرون والمناضلون والسياسيون والفنانون، هي وثائق تكشف هموم الإنسان العربي في مراحله المختلفة، من مذكرات طه حسين وأحمد أمين إلى غسان كنفاني وعبد الوهاب البياتي، نستكشف أن الوعي الذاتي عربياً دائماً ما ترافق مع الهم الجماعي للأمة، لتشكل هذه المذكرات ذاكرة موازية للتاريخ الرسمي العربي.
أدب المذكرات، يمنحنا فرصة لنرى العالم من داخل حياة شخص واحد، قد لا نتفق معه، لكننا نفهم كيف عاش وفكر، هي تجربة إنسانية قد نتشابه في بعض تفاصيلها، فنحن غالباً نحمل الحكاية ذاتها، ولكن بصيغ مختلفة.

[email protected]