الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

حياة تصنعها الحكايات

7 نوفمبر 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 7 نوفمبر 2026 00:01 صباحًا
دقائق القراءة - 2
شارك
share
اللفتة البارعة في نسخة هذا العام من معرض الشارقة الدولي للكتاب هي ذلك الشعار الجميل «من صُنع الحكايات»، والذي من شأنه دفع الزوار للتأمل والتفكير في دور الحكايات في مسيرة البشر الخاصة والمشتركة، أي التي تجري في حدود زمانية وجغرافية لشعب ما، أو التي تجمع البشر كلهم في الأفق الإنساني.
فما حياتنا إلا نتاج تلك الحكايات، فكل أمة من الأمم، أو شعب من الشعوب يصنع تصوراته الخاصة حول نفسه، وتُنسج من خلالها تفاصيل كثيرة من المرويات الحقيقية أو الأسطورية تتحول إلى سرديات تتناقلها الأجيال منذ عهد المشافهة وحتى فجر التدوين، وتلك السرديات هي التي تصنع الهوية المشتركة والخصوصية الثقافية لكل أمة، إذ يعمل أفرادها على الحفاظ عليها في شكل تقاليد وعادات وسمات عيش وأسلوب حياة، وهذه الخصوصيات تكون عصيّة على الذوبان فهي مصدر الفخر وروح الانتماء.
تعتمد مسيرة البشر بشكل كبير على سلسلة من الحكايات التي يعيشونها ويرونها، فكل ما يحيط بهم بدءاً من أسمائهم، ومروراً بتجاربهم اليومية، وصولاً إلى أحلامهم المستقبلية هو في جوهره حكاية، إذ إن البشر ليسوا مجرد أسماء أو أرقام، بقدر ما هم القصص التي مروا بها، والمواقف التي شكلت وعيهم، والامتحانات التي تعرضوا لها فاختبرت جوهرهم.
الحكاية هي بطاقة تعارف بين الأفراد والجماعات، فعندما نعيش تجربة لقاء أشخاص جدد، فإن التعارف لا يكون نتاج تبادل معلومات وحقائق جافة، بل يتشكل فضاء من الألفة يسمح بتبادل القصص، فالحكايات هي الأداة السحرية التي تجعلنا نشعر بالآخرين ونتعاطف معهم ونفهم تجاربهم حتى إن كانوا من ثقافات مختلفة، وذلك بالفعل ما تصنعه الحكايات، إذ تبني جسراً من التواصل بين الشعوب وتمكنهم من التقارب الذي يصنع السلام والمحبة بين الأمم.
كان لابد أن يهتم «الشارقة الدولي للكتاب» بالحكاية وما تفعله بنا، فالقصة ليست مجرد وسيلة تسلية، بقدر ما أنها طريقة أساسية يعمل بها العقل البشري، والركيزة التي تقوم عليها الحضارات، إذ يشير العلماء إلى أن الدماغ البشري قد تسقط منه القوانين الجافة أو الأرقام المجردة، لكنه يتذكر السياق القصصي، وفي علم النفس الحديث هناك ما يسمى بـ «العلاج بالسرد».
إن الدول والمجتمعات تُبنى على حكايات مشتركة، حكايات الأجداد، وقصص الكفاح، والنجاحات. التاريخ في النهاية هو «حكاية البشرية» التي يصنعونها وتصنعهم ويخلدها الزمن.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة