محمد خليفة

في ذاكرة كل أمة رجال صنعوا تاريخها، وبنوا صروح مجدها، لذلك يقف التاريخ أمامهم بإجلال، وينحني أمام ذكراهم بكل تواضع، فما صنعوه يبقى كالجبل الشامخ في جبين التاريخ، وعلى قمة هذا الجبل يقف الشيخ زايد، طيب الله ثراه.
رحل بجسده، في التاسع عشر من شهر رمضان الموافق للثاني من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني عام 2004، القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان، طيب الله ثراه، عن عالمنا، لكنه لا يزال حاضراً وسيبقى طالما هناك أجيال تولد على هذه الأرض الطيبة. لم يكن عهده كأي عهد، ولم يكن حكمه كأي حكم، بل كان يجسد في مقامه السامي المثل الأعلى لكل واحد في الوطن، المثل الذي يعني العزة والكرامة والبعد عن الأنا وإنكار الذات في سبيل حياة الجماعة.
لقد كان، طيب الله ثراه، ينبوعاً لا ينضب من العطاء، بما وهبه الله من إيمان راسخ وصفات قيادية وإيمان بتأهيل الإنسان لدوره المعطاء في مسيرة البناء والتنمية.
في ذكراه العطرة ندعو الله تعالى له بالمغفرة والرحمة الواسعة. ونبتهج عندما نرى ذلك الوطن الذي أسسه وبدأه من نقطة الصفر قد تحول إلى دولة قوية عزيزة بقيادتها الحكيمة ممثلة بصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، الذي زاد في رفعة وعظمة البنيان، وذلك بما يمتلكه من عبقرية فذة ونظرة عميقة للواقع الإقليمي والدولي. فقد أصبحت دولة الإمارات العربية المتحدة إحدى الدول الناشئة في العالم باقتصاد ينمو بشكل سريع ووفق منهجية قائمة على أسس راسخة، وفق أسلوب التخطيط العلمي المدروس بغرض إحداث نقلة نوعية تضع البلاد في مستويات متقدمة من النمو والرفاهية، محققة بذلك تجربة ثرية ومثمرة في تخطيطها للتنمية الشاملة، وعلى تأصيل العمل الإنساني سيراً على نهج المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه.
لقد أعلن سموه، في يوم زايد للعمل الإنساني والذكرى العشرين لرحيل الوالد المؤسس، عن مبادرة إرث زايد الإنساني بقيمة 20 مليار درهم، سيراً على نهج زايد واستلهاماً لقيمه في دعم كل ما ينفع الناس ويخفف معاناتهم ويغير حياتهم إلى الأفضل. رحم الله الشيخ زايد جزاء ما قدمه للإنسانية وما تركه من إرث خالد في التضامن بين البشر. وقد أطلقت دولة الإمارات العربية المتحدة، مبادرة «يوم زايد للعمل الإنساني» عام 2012، لتصادف التاسع عشر من شهر رمضان المبارك من كل عام. وذلك تخليداً لذكرى رحيله، لتكون مناسبة سنوية للتأكيد على الالتزام بإرث القائد المؤسس الراحل، في العطاء وإغاثة المحتاج ومد يد العون لجميع المستضعفين في مختلف بقاع الأرض.
وقد أحيت دولة الإمارات، يوم الأحد الماضي، «يوم زايد للعمل الإنساني» عبر إطلاق المبادرات الخيرية والإنسانية التي تتنوع بين المساعدات الغذائية، والمشاريع التنموية، ودعم اللاجئين، وتمكين الفئات الهشة، وتعزيز الصحة والتعليم في الدول الأقل حظاً. وفي هذه المناسبة المباركة، انطلقت في أبوظبي أعمال ملتقى زايد الإنساني في دورته السادسة والعشرين تحت شعار «على خطى ونهج زايد الخير والعطاء»، بهدف ترسيخ قيم العطاء والعمل الإنساني والتطوعي في المجتمع، ويُنظم الملتقى مبادرة زايد العطاء بالتعاون مع برنامج الإمارات للتطوع المجتمعي والتخصصي «تطوع»، وبإشراف فريق الإمارات الطبي التطوعي والاحتياطي وجمعية الإمارات للعطاء، وبالتنسيق مع برنامج الإمارات للجاهزية والاستجابة الطبية «جاهزية».
ويجسد الملتقى امتداداً للإرث الإنساني الخالد للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي أرسى دعائم العمل الإنساني وجعله ركيزة أساسية في مسيرة التنمية الوطنية، وأسهمت رؤيته في ترسيخ مكانة دولة الإمارات عالمياً كمنارة للعطاء الإنساني. وشهد الملتقى الإعلان عن أربع مبادرات إنسانية نوعية لخدمة المجتمعات محلياً وعالمياً، أبرزها إطلاق مستشفى زايد الإنساني المتحرك، وتدشين برنامج «افحص الإنسانية» العالمي، وإطلاق عيادات زايد الإنسانية الافتراضية.
وأكدت جمعية الاتحاد لحقوق الإنسان أن يوم زايد للعمل الإنساني يمثل تجسيداً عملياً للربط بين العمل الإنساني وحماية الحقوق الأساسية، ودعت إلى تعزيز التضامن الدولي لسد الفجوة الإنسانية وضمان صون الكرامة الإنسانية للجميع من دون استثناء. وأكد مجموعة من مسؤولي العمل الخيري والإنساني على مستوى الدولة، أن يوم زايد للعمل الإنساني، يمثل محطة وطنية وإنسانية نستحضر فيها القيم الراسخة التي غرسها القائد المؤسس. وأعلنوا عن تنفيذ حزمة من البرامج والمبادرات والفعاليات النوعية، تخليداً لذكرى الشيخ زايد، وبما يتماشى مع «عام الأسرة»، بهدف إسعاد مختلف فئات المجتمع، في دولة الإمارات.
دون شك لقد أصبحت دولة الإمارات وستظل، بإرث زايد رحمه الله، في مقدمة الدول المانحة للمساعدات الإنسانية عالمياً، حيث حلت في المرتبة الثالثة عالمياً كأكبر مانح للمساعدات الإنسانية لعام 2025 وفقاً لبيانات الأمم المتحدة. وامتدت أياديها البيضاء في كل أنحاء العالم تقدم الخير للبشرية.

[email protected]