حسام ميرو
مع الساعات الأولى للضربة الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، بدا المشهد وكأنه حلقة جديدة في سلسلة صراعات الشرق الأوسط، غير أن هذه القراءة تُخفي ما هو أعمق، فنحن لسنا أمام مواجهة عسكرية فحسب، وإنما أمام اختبارٍ لمعادلة استقرّ عليها النظام الدولي لعقود، معادلة تقول إن الردع يمنع الانفجار الكبير حتى لو سمح بالاحتكاك الدائم، والحرب الحالية لا تبدو مجرد تصعيد، فهي تكسر الإيقاع المألوف الذي كان يحكم الاشتباك غير المباشر بين الخصوم، إذ إنه منذ الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، تأسس الاستقرار الدولي على قاعدة الردع النووي، فالقدرة على التدمير المتبادل تمنع الحرب الشاملة، لكن ما نشهده اليوم يوحي بأن هذه القاعدة لم تعد كافية لضبط سلوك الدول، ولم يعد السؤال: هل تنفجر الحرب؟ بل: ما حجم الحرب الممكنة من دون أن تؤدي إلى انهيار شامل؟.
الردع الكلاسيكي قام على أربعة أعمدة واضحة، وهي وضوح الخطوط الحمراء، وعقلانية الفاعلين، وقابلية التنبؤ بالسلوك، والخوف من التصعيد غير القابل للسيطرة، وكان التهديد باستخدام القوة كافياً لتجميد استخدامها فعلياً، لأن الكلفة المحتملة تفوق أي مكسب، وبذلك فإن الردع لم يكن أخلاقياً، بل نتيجة معادلة باردة بين الخسارة والربح.
في الشرق الأوسط، أخذ الردع شكلاً غير متماثل، فلعقود طويلة، لم توجد حرب مباشرة مفتوحة بين إسرائيل وإيران، وهي الحالة التي انتهت في حرب يونيو/ حزيران الماضي، والتي استمرت 12 يوماً، وتستكمل اليوم، وكان الاشتباك مضبوطاً بسقف لا يُسمح بتجاوزه، وبالتالي، فإن معادلة الردع لم تمنع العنف بين الطرفين، لكنها نظمت حدوده ومستوياته، من مثل ضرب الأذرع، والاغتيالات، واختراق البيانات، وغيرها.
أول التحولات التي باتت واضحة في المشهد الدولي يتمثل في تراجع مركزية القوة الأمريكية، فمنذ حرب أوكرانيا، وتصاعد التنافس مع الصين، لم يعد النظام أحادي القطبية مستقراً كما كان بعد عام 1991، لكن تعددية القوة لا تعني بالضرورة توازناً مستقراً، فهي تعني أيضاً تعدد حسابات المخاطرة، حيث إنه في نظام متشظٍ، يصبح اختبار الخطوط الحمراء مغرياً أكثر، وهو ما تمثله حالة استيلاء روسيا على القرم في 2014، ومن ثم حربها على أوكرانيا في فبراير/ شباط 2022.
التحول الثاني هو تراجع الرهبة من الحرب الشاملة، فلم تعد المواجهات تُفهم باعتبارها انزلاقاً حتمياً نحو فناء متبادل، بل كسلسلة عمليات محسوبة، قابلة للضبط عبر التكنولوجيا الدقيقة والحروب السيبرانية والطائرات المسيّرة، ومع صعود منطق الضربة الاستباقية، كما في العقيدة الأمنية لإسرائيل، أو في استراتيجيات ما بعد 11 سبتمبر/ أيلول 2001، لدى الولايات المتحدة، لم يعد استخدام القوة خرقاً للردع، وإنما إعادة تثبيت له.
قد لا نكون أمام نهاية الردع، بل أمام تحوّله، فالردع النووي الشامل الذي حكم القرن العشرين يتراجع لمصلحة ردع متعدد المستويات، من مثل الردع السيبراني، والاقتصادي، والمعلوماتي، والضربات الدقيقة، وبالتالي، فإن الحرب أصبحت أداة ضمن طيف أوسع ومتدرّج من أدوات القوة.
منذ «طوفان الأقصى» في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، أصبح الشرق الأوسط مختبراً حياً لمفهوم الردع الجديد، حيث تعيش المنطقة على حافة تصعيد دائم، لم تعد فيها المواجهات حالات استثنائية، وإنما حالة راهنة دائماً.
وإذا كان الردع في صيغته الكلاسيكية يعني الخوف من العواقب، فإن طور «ما بعد الردع» يعني الاعتياد على حافة الهاوية، فالقوة لم تعد تُستخدم فقط حين يفشل الردع، بل أصبحت تستخدم لإعادة تعريفه، لكن هذا السلوك، ينطوي على مفارقة خطِرة، إذ إنه مع كل ضربة محسوبة، قد نجد أنفسنا أمام سلسلة من ردود الأفعال غير المحسوبة.
السؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحالة هو، هل دخل العالم فعلاً طور ما بعد الردع؟ أم أننا نشهد إعادة صياغة لآلية الضبط القديمة بلغة جديدة؟
المؤكد أن النظام الدولي لم يعد يعمل وفق يقينيات الحرب الباردة، وأن منطق إدارة المخاطر يحلُّ تدريجياً محل منطق تجنبها.