يعيش العالم والنظام الدولي لحظة تاريخية فارقة وغير مسبوقة، يمكن وصفها ب«الانقلاب الكبير»، حيث يحدث تحوّل جذري في قواعد اللعبة الدولية، بعد أن بقيت في العقود التي تلت نهاية الحرب الباردة تعيش تقلبات عديدة، لكنها بقيت محافظة إلى حدّ معقول على الكثير من أسسها العامّة، ويطال الانقلاب الحالي مفاهيم مؤسسة للقواعد التي تحكم النظام الدولي، وفي مقدمتها مفاهيم الشرعية والنفوذ والخطاب والأدوات، إذ تبدو المؤسسات الدولية التي أمّنت لعقود طويلة مبدأ السلم والأمن العالميين عاجزة، وكانت مرجعية لهذا المبدأ، تبدو أنها فاقدة لاعتراف القوى الأساسية التي تشكّل عصبها الأساسي، أي مجلس الأمن، خصوصاً أن اللاعب الأمريكي اليوم يدير ظهره بشكل شبه كلي للمؤسسة الأممية الأكبر، أي الأمم المتحدة، ولا يخفي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استياءه منها، بل ومحاولته إنشاء كيان موازٍ أو بديل هو «مجلس السلام العالمي».
بطبيعة الحال، فإنه من الناحية البنيوية، لا يمكن أن تكون هناك بنية سياسية مأزومة أو عاجزة، من دون أن تكون الفواعل الكبرى فيها في أزمة خاصة، وبما أن الولايات المتحدة، كانت قد لعبت على مدار عقود دوراً أساسياً في بنية النظام الدولي، بوصفها القوة الاقتصادية والعسكرية الأكبر، فإن تحليل مشكلة النظام الدولي، لا تستقيم من دون تحليل وفهم أزمة الولايات المتحدة التي يعيدها المفكر السياسي الأمريكي فريد زكريا، في كتابه «العالم ما بعد أمريكا»، إلى نهاية دور أمريكا، وأن نهاية هذا الدور المرتبط ب«صعود الآخرين»، حيث ولدت مجموعة من القوى الجديدة، مثل الصين، والهند، والبرازيل، وإندونيسيا، التي حقّقت نمواً اقتصادياً وسياسياً، جعلت من كل واحدة منها لاعباً مؤثراً، يتجاوز دور بعضها المجال الإقليمي الخاص بها إلى العالم بأسره.
لم تعد أمريكا تسيطر على المساحة ذاتها التي كانت تسيطر فيها ضمن ما يمكن تسميته ب«مساحة النفوذ» العالمي، لحظة سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991، وتراجع مكانتها وتأثيرها ناتج عن مسائل عديدة، في مقدمتها بطبيعة الحال صعود قوى اقتصادية كبرى، لكن ليس هذا هو العامل الوحيد، فقد أسهم التقدم التكنولوجي للقوى الصاعدة في نقل قدر كبير من مركز الثقل من الغرب إلى أماكن أخرى في العالم، وأهمها النموذج الصيني الأشهر، وكل هذا كان من شأنه أن يدفع نحو عدم القبول بالنظام الأحادي الذي حاولت الولايات المتحدة فرضه على الجميع.
يشكل مثال التدخل الأمريكي في أفغانستان مثالاً صارخاً على البراغماتية الأمريكية في تجاهل منظومتها القيمية نفسها، فقد دخلت إلى أفغانستان لإنهاء حكم «طالبان»، في عام 2001، وخرجت منها بعد عشرين عاماً، مسلّمة حكم البلاد إلى الجماعة ذاتها التي دخلت لقتالها والقضاء عليها، من دون أن تتمكن من بناء دولة وجيش ومؤسسات وحكم ديمقراطي، ما يظهر من الناحية العملية، تناقضات المنظومة السياسية الليبرالية لأقوى دولة في العالم، لكنه يظهر أيضاً حدود النظام الليبرالي نفسه، وعدم قدرته على فرض النموذج في سياقات مختلفة عن البنية الغربية، بل وتراجع جاذبية النموذج نفسه، والأخطر من ذلك، هو ما يعتبره المفكر الأمريكي جون مير شايمر «عدم اعتراف المنظومة الليبرالية الأمريكية بديناميات القوة الفعلية»، والذي أفضى إلى «نشوء أزمة في النظام الدولي، كنتيجة لمواجهة القيم الليبرالية مع الواقع الجيوسياسي الصلب».
بهذا المعنى، فإن هذا الانقلاب الكبير في النظام الدولي ليس قفزة في الفراغ، وإنما نتيجة طبيعية للانتقال من نظام يهيمن عليه القطب الأمريكي إلى نظام فيه أقطاب عدة، مع إنكار أمريكي واضح لصعود قوى جديدة لها دور فاعل في العلاقات الدولية، وإن هذه القوى أصبحت واقعاً لا يمكن تجاوزه، وأن العالم لم يعد يتمحور حول أمريكا وتفوقها. إن هذا التحول الهائل في ميزان القوة العالمي، يجعل من عصر الانقلاب الكبير عصر عدم اليقين بامتياز، حيث لا يمكن التكهّن بالسيناريو الذي سيتولد منه، هل هو إعادة بناء نظام متعددة الأقطاب، أم فتح جبهات عديدة للصراع حول العالم؟

[email protected]