حسام ميرو

في السنوات الأخيرة، يبدو العالم كله منخرطاً في حالة حرب، بشكل مباشر أو غير مباشر، فاعلاً أو منفعلاً، ففي عالم مترابط وعولمي، لم يعد بالإمكان أن يكون أي طرف على الحياد المطلق، فطالما أن العولمة أوجدت اعتمادية غير مسبوقة على الآخر، فهذا يعني بالضرورة حدوث حالة تأثير متبادل بين الدول، لكنها للمرة الأولى ربما عبر التاريخ الإنساني تصل حدة التأثير المتبادل إلى ما وصلت إليه خلال العقدين الأخيرين، بحيث إن أي أزمة ناشئة في مكان حيوي واستراتيجي تعني الجميع من دون استثناء.
وبطبيعة الحال، فإن الحالات الحدّية تعيد طرح الأسئلة الكبرى على نحو فلسفي لا مهرب منه، ولئن كان مفهوم الحرب قد وضع في التاريخ المعاصر بين نقيضين، يمثل الأول منهما تصور المفكر الإنجليزي توماس هوبز، الذي يجزم بأن الصراع طبيعة كامنة في الإنسان، وبالتالي، فإن الحرب قائمة ما كان النوع البشري موجوداً، بغض النظر عن القضايا المتنازع عليها، التي تشكل موضوع الصراع نفسه، والتصور الثاني/المناقض، للفيلسوف الألماني إيمانويل كانط الذي يرى أن تقدم العقلانية من شأنه أن ينقل البشرية نحو سلام دائم، فالحرب في منظور كانط هي العبث بعينه، لكن ما يشهده كوكبنا المعولم من حروب يدفع بالسؤال الفلسفي إلى مزيد من التعقيد، ليس من باب إنكار غريزة الصراع عند الإنسان، ولا استخفافاً بدور العقلانية في عدم وصول الصراع إلى حالة حرب، وإنما لدخول عوامل جديدة في الصراعات المعاصرة، تحتاج إلى تفحص من طبيعة فلسفية مختلفة.
الإشكالية الأولى حول الحرب المعاصرة تكمن في أن منطقها يتجاوز حدود التعريف الكلاسيكي للحرب التي رسّخها كارل فون كلاوزفيتز، حين اعتبرها امتداداً للسياسة بوسائل أخرى، فهذا التعريف يفترض وجود قطيعة واضحة بين السلم والحرب، كما يفترض أن العنف أداة عقلانية تُستخدم في لحظة محددة لتحقيق غاية سياسية، لكن ما نشهده اليوم هو تآكل هذا الحد الفاصل، إذ تتخذ الحرب أشكالاً غير تقليدية، من عقوبات اقتصادية طويلة الأمد، وهجمات سيبرانية، وحروب معلومات، وصراعات بالوكالة.
في هذا السياق، يصبح السؤال أكثر إرباكاً: هل تبدأ الحرب مع الطلقة الأولى للحرب، أم بفرض الحصار؟ وهل تنتهي بتوقيع اتفاق، أم تستمر في أشكال خفية؟ إن تمدد المفهوم بهذا الشكل يجعله أكثر التصاقاً بالواقع، لكنه في الوقت ذاته يفقد دقته التحليلية، ويحوّله إلى حالة مستمرة يصعب الإمساك بحدودها.
أما الإشكالية الثانية، فهي نابعة من الإطار القانوني للنظام الدولي الحديث، بعد تأسيس الأمم المتحدة، حيث بدا أن الحرب قد أُخضعت لإطار قانوني يقيّد استخدامها، بحيث لا تكون مشروعة إلا في حالات الدفاع عن النفس أو بقرار جماعي، غير أن هذا التصور سرعان ما اصطدم بواقع سياسي أكثر تعقيداً، حيث تُخاض الحروب تحت مسميات متعددة، من مثل التدخل الإنساني، أو الحرب الوقائية، أو مكافحة الإرهاب، أو الإطاحة بأنظمة حكم استبدادية.
الإشكالية الثالثة تتعلق بإنتاج المعنى، فالحرب ليست مواجهة عسكرية، وإنما هي محاولة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، فما يجري عملياً في كل الحروب التي يشهدها العالم بعد نهاية النظام الدولي ثنائي القطب، وسقوط الاتحاد السوفييتي، هو محاولة كل الأطراف فيها تشكيل وعي جمعي عبر الخطاب، وإعادة تعريف «نحن» و«هم»، وصوغ سرديات لتبرير العنف بوصفه ضرورة وجودية. هذا البعد الخطابي يجعل الحرب قابلة للاستمرار حتى في غياب القتال المباشر، إذ يكفي الحفاظ على صورة العدو حية في المخيال الجمعي، كي يبقى منطق الحرب قائماً، وهنا، تتحول الحرب من حدث استثنائي وراهن إلى بنية ذهنية وثقافية، تتغلغل في السياسة والإعلام والتعليم، وتبقي احتمالية الحرب قائمة كجزء من المستقبل.
تكشف الإشكاليات الثلاث (المفهوم، والشرعية، والمعنى)، عن تطور نظري وعملي لافت واستثنائي، فظاهرة الحرب لم يعد بالإمكان حصرها في تعريف واحد أو إطار قانوني ثابت، فهي أصبحت واقعاً متحولاً يتجاوز الحدود التقليدية لمفهوم الحرب، هذا المفهوم الذي يعاد إنتاجه وفق تعقيدات الحالة العولمية، حيث تتداخل جملة من العوامل غير المسبوقة في التاريخ البشري، في مقدمتها ترابط سلاسل التوريد العالمية عبر القارات، ودخول منجزات الثورة المعلوماتية كأساس في صناعة الحرب والأعداء.
إن ردّ دوافع الحرب إلى غريزة أصيلة عند الإنسان، أو الزعم بإمكانية تجاوز العقل لمنطق الحرب بوصفها عبثاً، كتفسيرين، ما عادا قادرين على الإحاطة الفلسفية بطبيعة الحروب المعاصرة، التي أصبحت بحدّ ذاتها عملية تنظيم للعنف عن طريق العنف، واحتكار لمبدأ الشرعية الذي يحدّد من خلاله من يحق له ممارسة العنف، ومن يستحق أن يمارس عليه العنف، في إطار تنافس عالمي على تقاسم النفوذ والثروات في العالم.

[email protected]