حين نكون أمام قامة فنية كبيرة في فن الخط مثل محمد نظيف بيك الخطاط العثماني المولود سنة 1846 فنحن بالتأكيد أمام لوحة تتزين بكثير من عناصر الجمال الفني والروحي، تماماً كما نشاهده في هذه اللوحة التي استخدم فيها محمد نظيف الخط الثلث الجلي ليخط «لا حول ولا قوة إلا بالله» والتي تعني الاستسلام والتفويض والاعتراف بالعجز التام عن تغيير الحال أو القيام بالطاعات إلا بتوفيق الله.

في هذه اللوحة، نطل على براعة خط الثلث الجلي من حيث مرونة الحروف ومتانة التراكيب، والكتابة بخط عريض، ما يجعل هذا الخط مثالياً في كتابة اللوحات الفنية الكبيرة، كواجهات المساجد، والقباب (مثل كسوة الكعبة). وهو خط يركز على الوضوح («الجلاء»)، والتشابك الحركي، وتنوع التشكيل، ما يتيح للخطاط مساحة إبداعية واسعة.

*براعة

في هذه اللوحة، تتابع عين المشاهد براعة لافتة في التكوين الخطي، وهو تكوين جاء على شكل بيضاوي للنص المكتوب، كما أن الحروف هنا، مرتبة ومتناسقة بشكل عام، بحيث تملأ المساحة الوسطى في اللوحة، ما يعطي هذه اللوحة توازناً بصرياً وانسجاماً واضحاً، كما نلحظ تشابك الحروف الذي بدا واضحاً في الثلث الجلي، وبعض هذه الحروف تمر فوق بعضها الآخر، وهو أسلوب شائع في هذا النوع من الخطوط، ومن جهة ثانية، فهو يظهر المهارة الفنية للخطاط.

كان واضحاً في اللوحة ذلك الإحساس بالعظمة والسمو، من خلال امتدادات بعض الحروف العمودية، وبخاصة في الألفات واللامات، وهذا يجعل قراءة النص مريحة للعين، تبعاً لتلك الحركة البصرية التي يتناغم فيها اللون مع إيقاعية كتابة الحرف، وهذه سمة عليا في فن كتابة الخط العربي، بوصفه فناً بصرياً راقياً، يعتمد على تشكيل الحروف العربية وتصميمها باستخدام قواعد هندسية دقيقة (مد، رجع، استدارة، تداخل) لتكوين لوحات جمالية متناغمة. ما يؤكد أنه من أبرز الفنون الإسلامية، لا سيما مع ارتباطه بتزيين المصاحف والمساجد والقصور، ولكونه يجمع بين الإبداع الفني والمهارة اليدوية العالية.

من جهة ثانية، تلحظ عين المشاهد، تكويناً بصرياً متوازناً يتجلى في كافة جوانب اللوحة من اليمين إلى اليسار ومن الأعلى نحو الأسفل، وهو توازن غير متماثل، حيث قام الخطاط بتوزيع الحروف والكلمات بطريقة تجعل اللوحة مستقرة ومريحة للنظر، تجلت في اللوحة حرفية الخطاط في توزيع (ألفات) و(لامات) النص على جانبي اللوحة، وهناك التوازن بين امتداد بعص الحروف والتفافها، وهذا يخلق توازناً بين الحركة الأفقية والعمودية، كما استخدم الخطاط بعض علامات التشكيل والزخارف الصغيرة لملء الفراغات، ما يمنع وجود مساحات فارغة، ويجعل اللوحة متوازنة بصرياً من كافة الاتجاهات.

*زخرفة

من سمات العناصر الجمالية في هذه اللوحة ما نشاهده من متانة تركيب النص بكلماته وحروفه، فالناظر للوحة لا يكاد يلحظ أي انحراف في كتابة الحروف، وهنا، نكون أمام تركيب حروفي متين ومضبوط، وهنا، تبرز قدرة الخطاط في تشكيل تحفة خطية تليق بجمال صياغة الخط العربي، من حيث تناسب كتابة الحروف ومرونتها، حيث تلتقي مهارة خط ورسم الحرف بشكل واضح وجلي لا تخطئه العين.

وإذا ما تأملنا أكثر في وظيفة الزخرفة في هذه اللوحة، فإننا نلحظ توازناً مبهراً يراعي مسألة الحرص على التناسق ما بين الحروف وتلك المساحات الفارغة بينها.

هنا، تلعب الزخرفة دوراً في تجميل المنظور الخطي، وإضفاء طابع جمالي ورمزي على اللوحة، الزخرفة هنا، تؤدي إلى تعزيز الهوية البصرية، وملء الفراغ بأسلوب إبداعي، وإحداث التناغم بين الجزء والكل.

صمم الخطاط محمد نظيف هذه اللوحة بخلفية ذات لون ذهبي مائل إلى الأصفر وهي خلفية زخرفية هادئة تساعد على إبراز الخط المكتوب، وقد استخدمت هذه الخلفية لتكون متناسقة مع جمال الخط المكتوب بأسلوب الثلث الجلي.