يعتاد الجسم خلال شهر رمضان المبارك على عدم تناول الطعام لمدة طويلة خلال فترة الصيام، الأمر الذي يؤثر في عملية الهضم بعد انقضاء أيام رمضان والعودة إلى نظام الوجبات المعتاد. وفي السطور القادمة يقدم الخبراء والاختصاصيون مجموعة من النصائح للانتقال الآمن من النمط الرمضاني إلى النمط المعتاد، وتحويل أيام عيد الفطر إلى نقطة انطلاق تعيد إيقاع الجسم تدريجياً، والوصول إلى أسلوب حياة أكثر صحة.
تقول د. نيا جمال الدين، أخصائية الطب الباطني، إن أنماط التغذية يمكن أن تتغير خلال عيد الفطر، بشكل مفاجئ بعد شهر من الصيام، إذ يسهم الإفراط في تناول الكعك والحلويات والأطعمة الدسمة، في حدوث أكثر المشاكل الصحية شيوعاً خلال هذه الفترة. وتضيف: يعاني الجهاز الهضمي إرهاقاً نتيجة تناول كميات كبيرة من الحلويات الغنية بالسكر، مثل: المعجنات والشوكولاتة والمشروبات المحلاة والحلويات التقليدية، ما يؤدي إلى الانتفاخ، وتقلصات البطن، وحموضة المعدة، والغثيان، وعسر الهضم، وارتفاع سريع في مستويات السكر في الدم، يتبعه انخفاض مفاجئ، وبالتالي يُسبب التعب والصداع والعصبية.
وتذكر أن الإفراط في تناول الحلويات يحفز من الناحية الأيضية استجابة حادة للأنسولين، وارتفاعاً ملحوظاً في مستوى السكر في الدم، لدى مرضى السكري أو الأفراد الأصحاء، وبالتالي زيادة مستويات الدهون الثلاثية وتعزيز تخزين الدهون، كما تُؤخر الأطعمة السكرية والدهنية عملية إفراغ المعدة، ما يُساهم في الشعور بالثقل وعدم الراحة.
وتتابع: من المشاكل الأخرى التي يتم تجاهلها خلال فترة الصيام هي الجفاف، وخاصة أن العديد من الأطعمة تحتوي على نسبة عالية من الملح والسكر، ما يزيد من حاجة الجسم للسوائل، ولكن يعتمد الأشخاص على المشروبات التي تحتوي على الكافيين، ما يؤدي إلى تفاقم تهيج المعدة وحموضتها.
وتُشير د. نيا جمال الدين إلى أن العيد وقت للفرح والاحتفال، إلا أن الاعتدال هو الأساس، ويمكن الاستمتاع بهذه الأوقات، ولكن من خلال اختيار الأطعمة الخفيفة، للحفاظ على صحة الجهاز الهضمي وسلامة الجسم، وذلك عن طريق اتباع التوصيات الغذائية. وتلفت إلى ضرورة البدء في أول أيام العيد بوجبات خفيفة وأطعمة سهلة الهضم مثل: التمر (باعتدال)، والفواكه الطازجة، والزبادي، والشوفان، أو خبز الحبوب الكاملة مع البيض، لتنشيط عملية الهضم بلطف دون إرهاق المعدة، مع ضرورة التحكم في حجم الحصص، والحد من تناول كميات كبيرة من الحلويات المتعددة، واستبدالها بحصة صغيرة وأكلها ببطء للحصول على الشعور بالشبع.
وتنبه إلى أهمية التوازن خلال تناول الوجبات، والتركيز على البروتينات الخالية من الدهون (الدجاج المشوي، والسمك، والبقوليات)، والسلطات الغنية بالألياف، والخضراوات، لتنظيم مستوى السكر في الدم ودعم عملية الهضم، وضرورة الحد من المشروبات السكرية، واستبدالها بالماء، أو العصائر الطازجة غير المحلاة بدلاً من المشروبات الغازية والمشروبات الصناعية، مع تجنب تناول الوجبات الخفيفة باستمرار طوال اليوم، وترك ما لا يقل عن 3-4 ساعات بين الوجبات لدعم عملية الهضم بشكل سليم.
نظام غذائي
رهف الطويرقي، أخصائية التغذية السريرية، تقول: يُفضل أن يعود الجسم إلى نمط الأكل المعتاد بشكل تدريجي بدلاً من إجراء تغييرات مفاجئة في النظام الغذائي بعد انتهاء شهر الصيام، ويمكن البدء بتناول وجبة إفطار خفيفة ومتوازنة في الصباح، ثم توزيع وجبات معتدلة على مدار اليوم، ما يساعد الجهاز الهضمي على التكيف والعودة إلى عمله الطبيعي بشكل مريح. ويُنصح بإدخال الأطعمة الغنية بالألياف والبروتينات قليلة الدهون والكربوهيدرات الصحية، والحرص على شرب كميات كافية من الماء للمساعدة على استعادة مستويات الطاقة ودعم عملية الهضم.
وتضيف: من المهم أيضاً تجنب الإفراط في تناول الأطعمة الدسمة أو الحلويات في الأيام الأولى بعد رمضان، حتى لا تسبب الاضطرابات الهضمية، ويفضل تقسيم الوجبات إلى صغيرة ومتوازنة بدلاً من الكميات كبيرة، كما يساعد إدخال الفواكه والخضراوات الطازجة في النظام الغذائي في إمداد الجسم بالفيتامينات والمعادن الضرورية، كما تجب العودة التدريجية للنشاط البدني بشكل خفيف عن طريق ممارسة رياضة المشي، حتى تفيد في عملية الهضم وتساعد الجسم على استعادة توازنه الغذائي والصحي.
وتنصح رهف الطويرقي بالحد من تناول الأطعمة التي تحتوي على نسب مرتفعة من السكر أو الملح أو الدهون غير الصحية، خاصة خلال الأيام الأولى بعد انتهاء شهر رمضان، إذ إن الإفراط في تناول الأطعمة المقلية أو الوجبات الخفيفة المصنعة أو الحلويات بكميات كبيرة يمكن أن يسبب ضغطاً إضافياً على الجهاز الهضمي، ما يؤدي إلى الشعور بالتعب أو الانتفاخ. وتتابع: يُفضل اختيار وجبات طازجة ومتوازنة تحتوي على عناصر غذائية متنوعة، مع الاستمتاع بأجواء عيد الفطر والأطعمة الاحتفالية وتناول الحلويات باعتدال، ويساعد هذا النهج في الحفاظ على صحة الجسم وتوازنه الغذائي، ويجب الحد من المشروبات الغازية والمحلاة كونها تزيد الشعور بالانتفاخ أو العطش، واستبدالها بالماء أو العصائر الطبيعية الطازجة.
سلوكيات قديمة
يوضح د. أحمد عبد الحافظ، أخصائي طب الأسرة، أن الشهر الفضيل يوفر نمط حياة مفيداً، إلا أن بعض الأشخاص يمكن أن يعانوا العودة إلى نمط الحياة العادية، وتكون بالنسبة لهم بمثابة صدمة للجسم، حيث يشكون من إرهاق ما بعد العيد، ولذا يكمن سر الانتقال الناجح ليس في العودة المتسرعة إلى السلوكيات القديمة، بل في تحويل انضباط رمضان إلى نمط حياة صحي ومستدام.
ويؤكد أن فترة الانتقال بعد شهر الصيام تُعد الوقت الأمثل لإعادة ضبط الأمور بدلاً من مجرد العودة إلى الروتين، وذلك من خلال إجراء بعض التغييرات البسيطة، والاستفادة من العادات الصحية المُكتسبة خلال رمضان وتطبيقها على مدار العام، وبينها الاعتدال في تناول الكافيين، إذ يفتقد العديد من الأشخاص قهوة الصباح في وقت الصيام، ولكن يجب الانتباه إلى أن الجسم يكون أكثر حساسية للمشروبات التي تحتوي على مادة الكافيين بعد انتهاء شهر رمضان، ولذا يُفضل العودة بفنجان صغير واحد، وتجنب الكافيين في فترة ما بعد الظهر، حتى يمنع الشعور بالتوتر بعد تناول القهوة ويضمن عدم اضطراب جدول النوم الجديد.
ويضيف د. أحمد عبد الحافظ: يعتاد البعض على التخفيف من التمارين الرياضية خلال الصيام، ويمكن أن يحاولوا تحقيق أفضل النتائج بعد انتهاء شهر الصيام مباشرة، ولكن لا ينصح بذلك، وإنما ب 30 دقيقة من المشي السريع أو السباحة خلال الأوقات الأبرد من اليوم، والتركيز على الاستمرارية بدلاً من الشدة خلال الأيام العشرة الأولى. كما ينصح بالحفاظ على الفوائد الأيضية التي اكتسبها الشخص خلال رمضان من خلال ممارسة «التغذية في أوقات محددة»، والحرص على إنهاء الوجبة الأخيرة في اليوم مبكراً ومنح الجسم راحة لمدة 12 ساعة قبل الإفطار صباحاً.