وليد عثمان

ربما تكون الفترة الصعبة التي نعيشها جميعاً في المنطقة أول اختبار حقيقي للإعلام العربي بعد أن تبدّل كثير من قواعد صناعته وطغت ممارسات عشوائية معظمها مصدره ما شاع من وسائل جديدة تستبيح، باستثناءات نادرة، ما استقر طويلاً من أخلاقيات وآداب، وتملك القدرة، في معظم الأوقات، على الهروب من المسؤولية، رغم ما ترتكبه من جرائم مهنية وقانونية.
المعنيون بأمر الإعلام المهني والمسؤول راهنوا في وجه مؤشرات انحسار تأثيره، أو الزعم بقرب أفوله، أن ميزته الأهم، وهي المصداقية، ستظل سر بقائه وشرعيته التي تأسست عبر عقود، ولا ينال منها انصراف البعض عنه إلى وسائط جديدة لها أساليبها الخاصة في إثبات الوجود، ومنها التحلل من الأخلاقيات، وإثارة الفتن، وتزييف الوقائع.
وفي واقعنا العربي آلاف من تجارب الفتنة اليومية والموسمية التي ترعاها نوافذ إعلامية إما مغرضة، أو مستأجرة، أو جاهلة بعواقب ما تبثه باسم أفراد أو مؤسسات.
وإن كان ذلك مرفوضاً في كل الأوقات، فهو في الظرف الراهن مجَرّم ومحرّم، فلا شيء يبيح العبث بأوطان وشعوب في منعطف خطر، المفترض فيه أن تكون الكلمة نوراً لا لغماً، والمعلومة منسوبة إلى مصدر واضح بلا تحريف ينال من طمأنينة الناس وقوتهم النفسية.
ربما كان هناك في الأيام الأولى للاعتداءات الإيرانية على دول الخليج والأردن ما هو أهم من الوقوف عند دور الإعلام في التصدي لها والتعامل مع تبعاتها، أو ربما افترضت الجهات المعنية أن النوافذ الإعلامية بكل أشكالها وقدراتها وتباينات المنتمين لها ستجنّد نفسها تلقائياً في خدمة أوطان تتعرض لخطر جماعي ويجب أن تتوحد في مواجهته.
أن يلجأ مجلس وزراء الإعلام العربي إلى إصدار بيان فيه تذكير بواجبات وبديهيات في الأداء الإعلامي، فذلك معناه استشعار خطر الانفلات في هذا الوقت الدقيق، خاصة أن وسائل التواصل لا تزال تزخر بما يمكن وصفه في هذا الوقت بجرائم مهنية ووطنية يستوي في ارتكابها من هم على صلة مباشرة بالعمل الإعلامي وأشخاص من قطاعات أخرى يستهترون بأثر نشر ما لا يصح نشره أو إعادة ترويج ما يفتقد لأي قدر من الحقيقة.
من جديد، تتأكد الصلة الوثيقة بين المؤسسات الإعلامية الكبرى والمصداقية، وليس في الأمر محاولة للانتصار لوسائل على حساب أخرى، فاجتماع الجهود والإحساس المشترك بالمسؤولية واجبان على الجميع، خاصة من يخاطبون الجمهور بشكل فردي أو مؤسسي، وعليهم التجرد التام من الهوى الشخصي واحتكار الفهم والتأويل أمام مصلحة الوطن والمنطقة.
إن بعض الممارسات الإعلامية أوغرت صدوراً، وشتت جهوداً، وضيعت البوصلة في وقت يستدعي التوحد على المستويين الوطني والعربي، فضاعت وسط غبار ذلك رسائل تعبر عن جوهر ما يجري، وعدم حماية الرأي العام من الخلط المطلوب بين الاعتداءات الإيرانية على دول عربية ومسارات سياسية أخرى في المنطقة، والإيقاع بين الشعوب العربية وتزييف موقفها مما يجري.

[email protected]