«إذا كنتَ بالليل نائماً وبالنهار هائماً وفي المعاصي دائماً فكيف تُرضي من هو بأمورك قائماً؟»
هذه الكلمات الجليلة في مقاصدها العظيمة في معانيها هي للعابد إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر التميمي «100- 162 ه»، والذي يلقب كذلك بالعِجلي، وهو أحد أبرز فقهاء عصره، ثبت فضله وعرف زهده، ورسخ بين العلماء مقامه، فكان رجل الصلاح والحكمة، لا يحدث الناس إلا بالموعظة الحسنة، هاشّاً باشّاً متواضعاً لين الجانب قوي الدين، وكانت مثل هذه المقولات هي وسيلته في التخاطب مع الناس من أجل إرشادهم إلى طريق الصلاح والدين القويم، فما بخل بمعارفه على أحد، فظل الناس يقبلون عليه من كل فج ويلتفون حوله، إذ كان واسع الاطلاع غزير العلوم، فلُقِّب بسلطان الزهاد.
ولد ابن أدهم في بلخ من نواحي أفغانستان، في القرن الثاني الهجري، في كنف عائلة من أصل عربي ذات ملك وجاه، فعاش في دعة وراحة، لكنه ترك كل ذلك بعد حين وتوجه نحو حياة العبادة والزهد تاركاً خلفه أطماع الدنيا، وصار يأكل من عمل يده، فأقبل على العلوم الشرعية وحفظ القرآن والأحاديث والفقه، وكرس حياته لأمر الدين، فكان أن استهل سياحة في الأرض من أجل التوسع في العلوم والمعارف.

رحلات


تتلمذ ابن أدهم على يد العديد من العلماء الذين التقى بهم في رحلاته المختلفة من الأئمة والتابعين في عصره، حيث تنقل بين الحجاز والعراق والشام، فكان أن تعلم من سفيان الثوري فصحبه زماناً، وكذلك الفضيل بن عياض، وهو من أشهر الزهّاد الذين التقاهم، ومالك بن دينار الذي روى عنه الحديث، وفروة بن مجاهد اللخمي، وسليمان الأعمش، والأوزاعي.
نال ابن أدهم شهرة واسعة، بل ووجد إجماعاً من قبل علماء عصره والذين أتوا من بعده، حيث وصفه الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء ب«القدوة الإمام، العارف، سيد الزهاد، أبو إسحاق العجلي»، وكان الإمام أبو حنيفة يفخمه ويناديه بلقب «سيدنا»، ولما سئل عن ذلك، قال: «بخدمته لله تعالى»، أما الإمام الجنيد فقد لقب ابن إبراهيم ب«مفاتيح العلوم»، تعبيراً عن عمق بصيرته، وحكمته ونفاذ عقله، وكان الشيخ عبد القادر الجيلاني يقول: «إبراهيم بن أدهم هو مفتاح علم الأولياء»، إشارةً إلى مكانه الراسخ بين العلماء.
اشتهر ابن أدهم بالحكمة وإعمال العقل والمجادلة والإقناع في إيصال الفكرة، وله الكثير من المواقف في ذلك الأمر إلى جانب المقولات التي تظهر فيها الحكمة، ومن أشهر أقواله: «إنما يتم الورع بتسوية كل الخلق في قلبك، والاشتغال عن عيوبهم بذنبك، وعليك باللفظ الجميل من قلب ذليل لرب جليل، فكر في ذنبك وتب إلى ربك ينبت الورع في قلبك واقطع الطمع إلا من ربك»، وعلى الرغم من زهده الشديد إلا أنه لم يدعُ قط إلى اعتزال الحياة، بل كان شديد التمسك بضرورة العمل والجد فيه، وإتقانه، فهو عبادة، كما أن المسلم يختبر حسن إيمانه عبر الاختلاط بالناس، ورُوي أنه كان يعمل في الحصاد وحفظ البساتين، وغير ذلك، وينفق على من في صحبته من الفقراء، الذين كان يحسن إليهم ويساعدهم ويستمع إليهم، ويهديهم الحكمة والموعظة.