طبيعي أن الضحية الأولى في أي حرب هي الحقيقة، وأن الإعلام في الأغلب يستخدم كسلاح في الصراعات، إما عبر التسريبات المضخمة لأغراض التضليل المتعمد بشأن الخصم أو لرفع الروح المعنوية أو لأغراض التعمية عن الأهداف الحقيقية من باب أن «الحرب خدعة». كل ذلك مفهوم ومعروف منذ الأزل، حتى قبل انتشار وسائل الصحافة والإعلام التقليدية.
مع انتشار الإنترنت، خاصة على الهواتف الذكية، ومواقع التواصل وتطبيقات الدردشة زادت وتيرة التضليل ونظريات المؤامرة. وبالطبع تعلو الوتيرة أكثر مع الحروب والصراعات، حتى أصبح الأمر لا يتعلق بضياع الحقيقة فحسب بل بما يمكن تصديقه.
حتى قبل سنوات، كانت وسائل الإعلام التقليدية تمثل المعادل الذي يثق فيه الناس باعتبارها تعتمد الصحافة المهنية وتحرص على مصداقيتها.
وحتى في أوقات الصراعات والأزمات، ومهما كانت الهفوات، بقيت وسائل الإعلام التقليدية مرجعاً للجمهور، يقلل من خطر التضليل والدس المعلوماتي والشائعات على مواقع التواصل.
إلا أنه في السنوات الأخيرة بدأت وسائل الإعلام التقليدية تنزلق حثيثاً إلى مستنقع ما يروج من محتوى على الإنترنت ومواقع التواصل وأغلبه كذب وتضليل وإن كان مثيراً ومساعداً على الانتشار. ومنذ تسلل محتوى مواقع التواصل إلى الصحافة ووسائل الإعلام التقليدي، بدأت ثقة الجماهير في تلك المنافذ تهتز.
صحيح أن هناك منافذ إعلامية ما زالت تحافظ على مصداقيتها والتزامها المهني إلى حد كبير، لكن إغراء «الجري وراء المثير» جعل أغلب الإعلام يساير مواقع التواصل. ومع تطور برامج تزييف الأصوات والصور والفيديو، أصبح من الصعب على الناس تبيّن الحقيقة من الكذب والتضليل.
حتى التطور التكنولوجي المهم مثل برامج وتطبيقات «الذكاء الاصطناعي» أصبح أداة لتعميق التزييف حتى يصعب تدقيق المحتوى والتأكد من صحته. وأصبح الكثير من وسائل الإعلام يقع في فخ ترويج مواد مزيفة، حتى وإن عاد واعتذر عن ذلك، فإن الضرر يكون قد وقع بالفعل وتشاركه الجمهور على نطاق واسع باعتباره حقيقة لأنه جاء من وسيلة إعلامية تقليدية.
من مبررات هذا التراجع عوامل تسويقية، قد تكون مفهومة، صاحبتها شعارات من قبيل «صحافة المواطن» وغير ذلك من مقولات أغلبها «حق يراد به باطل». ونشط الناس في استخدام برامج متاحة مجاناً على الإنترنت لتزييف كل شيء، حتى أصبحت تغذية برامج الذكاء الاصطناعي على المحتوى المتوفر رقمياً تؤدي في النهاية إلى نتائج غير دقيقة وأحياناً مضللة.
تضاعفت أضرار ذلك الخلل في الحرب الحالية مع الانتشار الواسع لكم من التزييف والتضليل على الإنترنت بشكل غير مسبوق. لا يقتصر الأمر على طرف ما، وإنما كل الأطراف في الواقع، حتى إن رئيس القوة العظمى الوحيدة حالياً في العالم يلجأ إلى حيل التزييف الرقمي لبث محتوى مغرض على موقعه الخاص للتواصل.
في سياق محاولة مجموعات «مستأجرة» على الإنترنت لترويج كذبة أو نظرية مؤامرة لغرض ما، تنتشر المواد المزيفة بكثافة بل وتلتقطها أحياناً وسائل إعلام تقليدية بما يضفي عليها مصداقية وهمية. مفهوم أنه في أوقات الحروب والصراعات والأزمات يروج الناس لما يوافق هواهم، وليس للواقع أو الحقيقة. لكن قبل ذلك لم تتوفر كل هذه الأدوات الرقمية للتزييف والتضليل بهذا الشكل. ولم تكن وسائل الإعلام التقليدية فقدت الكثير من مهنيتها ومصداقيتها.
إن أغلب الصور والفيديوهات المنتشرة بكثافة على الإنترنت، ويشاركها الناس ويروجونها أكثر فأكثر، ليست سوى تزييف وتضليل متعمد ليصادف هوى في نفس من بثها للمرة الأولى ويتلقفها من تصادف أهواءهم. ومرة أخرى لا يقتصر ذلك على المحتوى الرقمي بالعربي، بل وبالإنجليزية وبلغات أخرى. ففي النهاية ليس «الخواجات» سوى بشر مثلنا يرتكبون الخطايا ذاتها.
الخلاصة، هذه ربما تكون فرصة لما تبقى من مهنية ومصداقية الإعلام التقليدي كي نؤكد عليها ونعززها مستفيدين من فضح الكم الهائل من الزيف والتضليل على الإنترنت. ليس فقط لاستعادة مكانة الصحافة والإعلام، بل أيضاً لحماية الأمن الوطني من مخاطر انتشار الزيف والتضليل.

[email protected]