يثير الحراك المتجدد، والاتصالات الجارية حول تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق غزة» في غمرة التصعيد الدائر في المنطقة أسئلة كثيرة حول جدوى هذا الحراك في هذا التوقيت، وما إذا كان بإمكانه الخروج بنتائج إيجابية، أو أنه مجرد مناورة، تستهدف بعث رسائل طمأنة بأن هذا الملف لا يزال على قيد الحياة.
منذ بدء التصعيد الإقليمي، دخل ملف قطاع غزة، فيما يشبه الغيبوبة، أو تم تجميده بالفعل، باستثناء التصعيد الميداني الإسرائيلي للإبقاء على ديمومة التسخين التي تمنح إسرائيل حرية التعامل مع الخيارات المتاحة. غير أن الأيام الأخيرة، شهدت زخماً في الحراك السياسي، من خلال اتصالات ومحادثات أجراها الوسطاء وممثلين عن «مجلس السلام» مع حركة «حماس»، ويبدو أنها حرّكت المياه الراكدة في ملف غزة برمته، إذ جرى البحث في تثبيت الهدنة ووقف الخروقات الإسرائيلية، وإدخال المساعدات التي توقفت فعلياً مع إغلاق كل المعابر الحدودية مع القطاع، وعودة ظهور المجاعة مجدداً. كما جرى البحث في تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، بما في ذلك تمكين لجنة إدارة غزة الجديدة من تسلم السلطة، ومباشرة عملها في القطاع، إلى جانب الاستحقاقات الأخرى، مثل نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الإعمار.
لكن كل هذه النقاشات لم تثمر سوى الاتفاق على إعادة فتح معبر رفح بشكل جزئي ومحدود أمام حركة الأفراد في الاتجاهين، كما كانت عليه الحال قبل الإغلاق الأخير، إلى جانب تحديد موعد لنشر قوة الاستقرار الدولية في مطلع شهر مايو/أيار المقبل. غير أن عدم الاتفاق على أهم بندين في الخطة، وهما نزع السلاح، والانسحاب الإسرائيلي من القطاع، يضعان علامة استفهام كبرى حول جدية الحديث عن تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة.
وهناك من يرهن ملف غزة برمته بالنتائج المترتبة على التصعيد الجاري في المنطقة، فيما يمكن القول إن ما يجري من نقاشات لا يعدو أن يكون نوعاً من العلاقات العامة، الهادفة لطمأنة الرأي العام والمجتمع الدولي، وإضفاء شيء من المصداقية على الإدارة الأمريكية، باعتبار أنها لم تتخل عن هذا الملف رغم الظروف الجديدة.
وفي كل الأحوال، من المؤكد أن ملف غزة بات مرتبطاً بالمعادلات الجديدة، إذ ربما تجد غزة نفسها أمام عودة الأوضاع إلى المربع الأول، وبالتالي عودة الحديث عن الاحتلال والتهجير والاستيطان، وهو ما قد ينسحب أيضاً على ضم الضفة الغربية، أو أن تبقى التوازنات الإقليمية على حالها، وحتى في هذه الحال، لا يبدو أن إسرائيل ستنسحب من قطاع غزة قبل نزع السلاح، وهي مسألة من المرجح أن تكون عنوان المرحلة المقبلة، بغض النظر عن المقاربات التي تثار بين الحين والآخر.
وبالمحصلة، يبعث الحراك الجاري حالياً بإشارتين، الأولى أن ملف غزة لا يزال قيد الحياة، والثانية، أن إدارة ترامب لا تزال ملتزمة بالاتفاق.

يونس السيد

[email protected]