يشهد الذكاء الاصطناعي ذروة مجده، ففي أعقاب مسلسل الإخفاقات التي باء بها في بداياته الأولى، أحرز في مطلع القرن الحادي والعشرين تقدماً مذهلاً، رغم أنه لا يزال عصياً على الفهم، إذ لا يزال الغموض واللبس يكتنفان بعض جوانبه، فعلى الرغم مما تحقق من تقدم فإن الهوة الفاصلة بينه وبين هدفه المعلن -محاكاة الذكاء البشري- لا تكاد تتقلص.
يمثل الذكاء الاصطناعي لغزاً، ويمثل الذكاء الإنساني لغزاً آخر، وهذان اللغزان وثيقا الصلة بينهما، إنهما ليسا من الأسرار المكنونة، فحسب مبدأ «فيكو» القائل: «الحقيقة ذاتها شيء مصنوع» أي أننا نعرف ما نصنع، وبعبارة أفضل إن الكيفية الوحيدة للتيقن من أننا نفهم شيئاً حق الفهم، وظاهرة كيفما كانت، لكننا نعرف كيف تحدث، هو أن نصنع مثله، إذا تعلق الأمر بشيء، أو بإحداثها إذا تعلق الأمر بظاهرة ما.
يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي هو فلسفة المعرفة -أسس الذكاء- لكنها منتهجة بوسائل وأدوات أخرى، فنجاحاته كما إخفاقاته، كلها عناصر تفكير في الذكاء الإنساني، وكل هذا يشكل إطار كتاب «الذكاء الاصطناعي والذكاء البشري.. اللغز المزدوج».
يستشهد مؤلف الكتاب دانيال أندلر بمقولة لآلان تورنغ تقول: «في وسعنا أن نأمل أن تكون الآلات قادرة على مضاهاة البشر في جميع الميادين، خاصة في الجوانب الفكرية» موضحاً أن تورنج اختتم بهذه المقولة مقالاً شهيراً نشر في عام 1950 بعنوان «الآلة الحاسبة والذكاء» وكانت نقطة انطلاقه: هل تستطيع الآلات التفكير؟ وسرعان ما أوضح أن الآلات المرشحة التي تخطر بباله كانت من قبيل الحواسيب التي اخترعت لتوها، إلى حد كبير، بفضل أفكار قدمها هو نفسه في مقال شهير آخر نشره قبل نحو 15 سنة.
حلم
إن مقومات «حلم الذكاء الاصطناعي» هذه العبارة التي لم تنحت بعد، قد التأم شملها، الفكر والذكاء والحاسوب، حلم يبين مقال تورنغ العميق والدقيق والطريف للغاية في بعض مواضعه، أنه أقل جنوناً مما كان يعتقد الناس في زمنه، لكنه يتطلب طرح بعض الأفكار.
احتاج الأمر إلى ست سنوات حتى يتم إنشاء برنامج بحثي، أدى في أقل من سبعة عقود إلى المنجز، الذي نعرفه اليوم تحت مسمى «الذكاء الاصطناعي» هل هو تحقيق لحلم تورنغ؟ هذا يتعلق بالطريقة التي نؤول بها الحلم، وبالكيفية التي نحكم بها على الوضع الراهن، والآجال التي نمنحها لأنفسنا لإصدار هذا الحكم، فأغلب الناس يجمعون على الاعتقاد بأن الحلم لم يتحقق حتى اليوم، لكن يوجد شيء ما ليس ببعيد للغاية، حيث يرى المؤلف أن معرفة ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصل في النهاية إلى مستوى الذكاء البشري هو سؤال صعب.
لم يستغرق الأمر كثيراً من الوقت لتصبح الحواسيب الأولى في متناول الباحثين، حتى ينبري البعض منهم إلى تحقيق حلم تورنغ، فما إن أطلقوا اسم الذكاء الاصطناعي على المشروع حتى أعلوا من سقف التطلعات، بقدر ما فعل تورنغ: صنع آلة تتمتع بالذكاء، بالمعنى ذاته الذي يقال به: إن إنسانا ما إنسان ذكي، كانت الآلة المتخيلة على صورة الحواسيب بمعنى تلك الحقيقة وهو المعنى ذاته في خطوطه العريضة السائدة اليوم.
نظام
منذ البداية ظهرت فجوة بين الذكاء الاصطناعي والمفهوم المشترك للذكاء البشري، الذي هو نتاج للدماغ، الدماغ الذي يعمل بصفته نظاماً لمعالجة المعلومات، باختصار تتمثل رؤية الذكاء الاصطناعي الناشئ في قدرة الإنسان على حل المشكلات من خلال إنتاج أفكار تحمل معلومات، يعتمد هذا على المبادئ العامة لتنظيم الدماغ، والتي يمكن إعادة إنتاجها في أنظمة اصطناعية، مستوحاة من الحواسيب الحالية، إنها تطمح إلى إرغام الطبيعة على تسليمها سر الفكر، أو جزء من التفكير الضروري للبقاء، واستخدامه من أجل بناء آلة تفكر، مثلما يفكر الإنسان.
إنه طموح بروميثيوسي بالمعنى العام -كما يقول أدلر مؤلف الكتاب الذي ترجمه إلى العربية جلال العاطي ربي– في إحدى روايات الأسطورة الإغريقية، يسرق بروميثيوس أسرار النار والفنون من الآلهة، ويمنح المعرفة للبشر، يستلب الذكاء الاصطناعي من الطبيعة أسرار الفكر، ويهب الآلات القدرة على التفكير، أو يمكن صياغة الأمر كالتالي: اعتبر الإنسان أنه ارتقى إلى مستوى الطبيعة، بصناعة آلة توازي الإنسان في قدرته الأساسية.
يشير المؤلف إلى أن تاريخ الذكاء الاصطناعي مطبوع بسلسلة من إعادات التقييم التنازلية، حيث يروي شهود ثقة أنه في يناير 1965 أعلن هربرت سيمون لطلابه: «أثناء عطلة أعياد الميلاد اخترغت أنا وألن نيويل آلة مفكرة».
وصرح قائلاً: «اخترعنا برنامج حاسوب قادر على التفكير بلغة غير رقمية، وبهذا نكون قد حللنا معضلة الجسم والعقل الأزلية، موضحين كيف يمكن أن يكون لنظام يتألف من المادة وخصائص العقل»، هربرت سيمون ليس عالم مستقبليات مخبول، فهو حاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد، وعقل عظيم من أولئك الذين أثروا عميقاً في العلوم الإنسانية في القرن العشرين.
أدوار
لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقتصر على القدرة على محاكاة بنية الذكاء البشري فقط، بل يجب عليه أداء هذا الدور على الأقل، وفقاً لآراء سايمون ونيويل وباحثين آخرين في هذا المجال، بحسب قول أحدهم: «إن دراسة الذكاء الاصطناعي لا تكون إلا دراسة للذكاء الإنساني» ويرى آخر أن التوأمة بين الذكاءين في حالة العلوم المعرفية الراهنة، ستبطئ تقدم الذكاء الاصطناعي، لذلك من مصلحته أن يكتفي بتكافؤ ضعيف، يقتصر على أن يفرض أن الذكاء الاصطناعي سينتهي به المطاف إلى تحقيق النتائج نفسها التي يحققها الذكاء البشري في المهمة نفسها.
أنظمة
يوضح المؤلف أن الذكاء البشري يستخدم في تصميم البرمجيات، مثلما هي الحال مع أي شيء مصنوع، لكن الذكاء الاصطناعي يتميز بكونه يهدف إلى أن يصنع أنظمة تتمتع على منوال الذكاء الإنساني ببعض الاستقلالية، حتى لو كانت غير مجبرة.