الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

العلاج النفسي.. الإصغاء الشرط الأول لشفاء الروح

21 أبريل 2026 14:57 مساء | آخر تحديث: 21 أبريل 16:25 2026
دقائق القراءة - 4
شارك
share
تجحدثيش
تجحدثيش
حتى عهد قريب كان العلاج النفسي في أيدي أصحاب العيادات الخاصة، بشكل كبير، كما كان في متناول أولئك القادرين على الدفع للبحث المطول في مشاكلهم الشخصية، أما الأطباء النفسيون العاملون في خدمة الدولة، فكانوا مهتمين بعلاج مرضى العقل الذهانيين والعناية بهم، ولهذا مالوا للطرق الفيزيقية للعلاج أكثر من ميلهم للعلاج النفسي.
العلاج النفسي كما يفهمه كثيرون هو فن تخفيف الهموم الشخصية بواسطة الكلام والعلاقة الشخصية المهنية، ونوع العلاج النفسي هو تحليلي وفردي أي يشارك فيه فردان فقط: المريض والمعالج النفسي، ويستند العلاج النفسي التحليلي والفردي إلى منهج فرويد الذي يمكن أن نسميه أبا العلاج النفسي الحديث، ومنذ أن بدأ عمله تطور العلاج النفسي في اتجاهات مختلفة، مما ترتب عليه وجود عدد من المدارس ينتمي إليها الاختصاصيون في العلاج النفسي.
يعتقد كثيرون أن العلاج النفسي هو وسيلة لشفاء الأعراض العصابية، وكان هذا هو الهدف الأول لفرويد، بالتأكيد عندما بدأ في أواخر القرن التاسع عشر معالجة العصابيين في فيينا، كان هدفه الأول هو إزالة الأعراض العصابية، إلا أنهم كانوا يشبهون مرضى الجسم بدرجة تسمح بأن نطلق عليهم لقب "مرضى".

تغير


أما اليوم فإن المعالج النفسي يستشيره أشخاص يشكون من أعراض غير محددة، وليسوا مرضى بالمفهوم الطبي، حيث أنهم يعانون مما يمكن تسميته "مشاكل الحياة" وما يبحثون عنه هو معرفة أنفسهم، وتقبل ذواتهم، وطرق أفضل لتنظيم حياتهم، ولذلك فإن العلاج النفسي اليوم أكثر اهتماماً بفهم الأشخاص بشكل عام، وتغيير اتجاهاتهم بدلاً من إزالة الأعراض مباشرة.
العلاج النفسي ليس مجرد مجموعة من التقنيات أو الإجراءات الجاهزة، بل هو – كما يقدمه أنطوني ستور في كتابه "فن العلاج النفسي" – علاقة إنسانية واعية تقوم في جوهرها على الفهم، والإصغاء، والحضور الصادق.
ينطلق هذا الكتاب، الذي ترجمه إلى العربية الدكتور لطفي فطيم، من سؤال بسيط في ظاهره، عميق في مضمونه: ماذا يفعل المعالج حين يجلس أمام إنسان يضع بين يديه ألمه؟
يبتعد ستور عن النزعة المدرسية الضيقة، ليقدم رؤية متوازنة تمزج بين التحليل النفسي الكلاسيكي والخبرة الإنسانية المباشرة، فهو لا ينظر إلى العلاج بوصفه سعياً لإزالة الأعراض فحسب، بل كرحلة لاكتشاف الذات، وفهم الصراعات الداخلية، وإعادة تنظيم الحياة على نحو أكثر وعياً ونضجاً.
يأخذنا الكتاب في مسار متدرج يبدأ من الإطار الخارجي للعلاج، كالمكان واللقاء الأول، ثم يتوغل نحو جوهر العملية: العلاقة بين المعالج والمريض، بما تحمله من تعقيد إنساني عميق، هنا، يصبح الصمت أداة، والإصغاء فعلاً نشطاً، والتفسير فناً يحتاج إلى توقيت وحساسية، لا مجرد معرفة نظرية.
يفتح ستور باباً مهماً لفهم الرمزية في الأحلام والتعبيرات اللاواعية، ويعرض نماذج للشخصيات النفسية المختلفة، موضحاً كيف تختلف مقاربات العلاج تبعاً لكل بنية نفسية وفي كل ذلك، يظل التركيز قائماً على الإنسان، لا على التشخيص.
في ذروة الطرح، يلتفت المؤلف إلى المعالج نفسه، مؤكداً أن نجاح العملية العلاجية لا ينفصل عن وعيه بذاته، واتزانه الداخلي، وقدرته على التمييز بين التعاطف والانغماس.

تأمل


هذا الكتاب ليس دليلاً تقنياً بقدر ما هو تأمل عميق في جوهر العلاج النفسي، حيث تتحول الجلسة إلى مساحة لقاء حقيقي بين إنسانين، يسعى أحدهما لفهم الآخر، دون قناع، ودون ادعاء، فالعلاج النفسي ليس ما تفعله بالمريض، بل ما يحدث بينكما، والتعامل معه بوصفه علاقة إنسانية واعية تتجاوز التقنية.
يركز ستور على إبراز المبادئ العامة التي تحكم العملية العلاجية، متجاوزاً الانتماءات المدرسية الضيقة، ويعلن استفادته من فرويد ويونغ ومدرسة علاقات الموضوع، ويؤكد أن الهدف العلاجي يتجاوز إزالة الأعراض إلى مساعدة الفرد على معرفة ذاته وتنظيم حياته بصورة أكثر وعياً.
في المقابلة الأولى، يبرز القلق المتبادل بين المعالج والمريض، يشدد ستور على أهمية الاهتمام الأصيل بالمريض كإنسان، ويدعو إلى إتاحة المجال لسرده الحر بدل إخضاعه لاستجواب تقني، يناقش مسألة تدوين الملاحظات، ويقر بضرورتها المحدودة دون أن تعطل الإصغاء الانفعالي، ويؤكد أن ضبط الوقت عنصر أساسي في بناء الثبات العلاجي.
يرى ستور أن الانتقال من الدور الطبي السلطوي إلى موقع الإصغاء التحليلي يمثل تحدياً جوهرياً، يوضح أن مهمة المعالج هي تشجيع التداعي الحر مع بقائه في الظل، والصمت، في هذا السياق، أداة فاعلة تتيح بروز المادة اللاواعية، مع ضرورة تدخل لطيف حين يتعثر المريض.
أما التقدم العلاجي، فيتناوله ستور عبر تفكيك مفهوم التنفيس، متسائلاً إن كان مجرد البوح كافياً، موضحاً أن دور المعالج يتجاوز الإصغاء إلى كشف البنى الدفاعية وتحويل الغامض إلى قابل للفهم، التقدم يتحقق حين يوسع المريض وعيه بذاته، ويتعلم تقبل مشاعره دون إنكار أو إسقاط.

تباين


في فصل بعنوان الأحلام، يبين ستور ضرورة استعداد المعالج للإصغاء إليها، ويعرض التباين بين الرؤية الفرويدية واليونغية، ويميل إلى مقاربة مرنة ترى في الحلم تعبيراً عن الحالة الانفعالية الراهنة، ويتوسع ليشمل أحلام اليقظة والرسوم والكتابة بوصفها قنوات رمزية تتيح نقل المادة اللاشعورية إلى حيز التحليل.
يتناول ستور التوتر بين التعاطف والموضوعية، ويصف قدرة المعالج على معرفة عدد كبير من الناس معرفة حميمة، ويحلل مخاطر التماهي أو البرود، الموضوعية تعني القدرة على الانغماس ثم الانسحاب نحو موقع المراقب.
يشرح ستور آلية إسقاط المريض لخبراته الماضية على المعالج، ويميز بين الطرح الإيجابي والسلبي، ويبين أن فهمه يمكن المعالج من العمل دون انخداع بالحب أو الاستفزاز، هنا فإن حل الطرح يتحقق حين يدرك المريض طبيعة إسقاطاته ويستعيد علاقته بالحاضر.

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه