د. محمد السعيد إدريس

يبدو أن التأثيرات الارتدادية للحرب الإيرانية لن تكون محصورة فقط في أبعادها العسكرية والاستراتيجية الإقليمية أو حتى الدولية، لكنها تتجه إلى فرض تأثيرات لا تقل خطورة في مجالات وأبعاد أخرى، في مقدمتها «قطاع الطاقة» بسبب أن الحرب تجاوزت الأيام المعدودة التي كانت مقدرة لها عند تفجرها واقترابها من تجاوز أسبوعها الثالث، بما يهدد أمن الملاحة في الخليج العربي، وبسبب ما فرضته إيران من تهديدات وتعقيدات للعبور في مضيق هرمز ومنعها عبور أية سفينة من دون إذن إيراني مسبق، ما أدى إلى نقص إمدادات النفط في الأسواق العالمية، ومن ثم ارتفاع أسعار برميل النفط الذي اقترب من 120 دولاراً للبرميل، الأمر الذي أدى إلى صدور تحذيرات من خبراء اقتصاديين من أن استمرار الأزمة قد يشعل موجة متصاعدة من ارتفاع الأسعار في مختلف الاقتصادات، مما سيؤثر سلباً في النمو الاقتصادي.
وبسبب هذه المخاوف حرصت الإدارة الأمريكية على الإنصات لتقديرات رؤساء كبرى شركات النفط الأمريكية، الذين نقلوا «رسالة قاتمة» إلى المسؤولين بالبيت الأبيض، أكدوا فيها أن أزمة الطاقة مرشحة للتفاقم، وأن تعطيل تدفقات الطاقة (النفط والغاز) عبر مضيق هرمز الحيوي سيستمر وأنه سيخلق حالة من التذبذب الحاد بأسواق الطاقة العالمية، وفق ما كشفته صحيفة «وول ستريت جورنال».
الصحيفة نقلت بعض تعليقات الرؤساء التنفيذيين لشركات «إكسون موبيل» و«شيفرون» و«كونوكو فيليبس» مع قيادات في الإدارة الأمريكية من بينها ما قاله «دارين وودز» الرئيس التنفيذي لشركة «إكسون»: أن «أسعار النفط قد ترتفع إلى ما هو أبعد من مستوياتها المرتفعة الحالية إذا رفع المضاربون الأسعار بشكل غير متوقع»، وأن الأسواق «قد تشهد نقصاً في إمدادات المنتجات المكررة»، في حين أعرب كل من مايك ورث الرئيس التنفيذي لشركة «شيفرون» وريان لانس الرئيس التنفيذي لشركة «كونوكو فيليبس» عن قلقهما إزاء حجم الاضطراب المتوقع في أسواق النفط وانعكاساتها على أسعار الطاقة وما قد تؤدى إليه من ركود اقتصادي.
هذه المخاوف كانت دافعاً لمراجعات قامت وتقوم بها أهم سبعة بنوك في العالم للتأثيرات المحتملة لما تسميه ب«صدمة الطاقة» التي تضع البنوك المركزية تلك بين فكي كماشة: التضخم الطاقي المتسارع وتباطؤ النمو الاقتصادي. هذه البنوك هي: الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي، وبنك إنجلترا وبنك اليابان والبنك الوطني السويسري، والاحتياطي الأسترالي والبنك المركزي الكندي.
هذه البنوك السبعة تجمعها مخاوف مشتركة تتجاوز مجرد ارتفاع الفائدة. فصدمة النفط الحالية لا ترفع أسعار الوقود فحسب، بل تمتد آثارها السلبية إلى الأمن الغذائي وسلاسل التوريد، وارتفاع الأعباء المعيشية، وكلها مخاطر تضع كل هذه البنوك بين أن تعترف بعجزها عن مواجهة «صدمة العرض»، أو أن تضحي بالنمو وتستمر في سياسة «الفائدة المرتفعة» لكسر موجة التضخم الجديدة.
هذه التعقيدات أخذت تفرض على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حتمية إيجاد حلول لهذه الأزمات التي تنافس في خطورتها الأبعاد العسكرية والاستراتيجية للحرب مع إيران. من ضمنها تخفيف العقوبات المفروضة على النفط الروسي، وإطلاق كميات كبيرة من احتياطات الطاقة، لكنها تبقى حلولاً جزئية في ظل عجز الإدارة الأمريكية عن إيجاد نهاية سريعة للحرب.
ما طرحه الرئيس ترامب في الأيام الماضية من دعوة إلى تأسيس «تحالف دولي» لتأمين المرور الآمن في مضيق هرمز، استُقبل بفتور من شأنه أن يفاقم من تعقيدات الأزمة ويعيد وضع الإدارة الأمريكية أمام الحلول المستحيلة: التفاوض على قاعدة القبول بالشروط الإيرانية، أو التصعيد لإنهاء الحرب نهاية درامية.
الرئيس ترامب انطلق في طرح هذه المبادرة لتأسيس مثل هذا التحالف الدولي من تحذير لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، بأنه يواجه «مستقبلاً سيئاً» للغاية إذا تقاعس الحلفاء عن مد يد العون للولايات المتحدة بشأن فتح مضيق هرمز. طرح هذه المبادرة من جانب الرئيس ترامب وضعه أمام استحقاقات تغاضى عن إدراكها في مقدمتها تعمده إذلال الحلف الأطلسي في أزمة غرينلاند، وتحقيره من شأن الشركاء الأوروبيين، واليوم يأتي الفتور الأوروبي بمشاركة آسيوية من اليابان وأستراليا، ليفاقم من عمق الأزمة الراهنة التي تواجه الإدارة الأمريكية، في ظل تحديين جديدين أولهما: أن بعض الدول الحليفة لواشنطن سلكت طريقاً خاصاً مع طهران بالتواصل المباشر معها، على نحو ما كشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية بقولها إن «فرنسا وإيطاليا بدأتا محادثات مع إيران، سعياً للتفاوض على اتفاق يضمن مرور سفنهما بأمان عبر مضيق هرمز»، وثانيهما إعلان إيران على لسان وزير خارجيتها عباس عراقجي أن المضيق مفتوح، وأنه مغلق فقط أمام الذين شنوا الحرب على بلادنا.