يذكر الأديب المصري الكبير زكي نجيب محمود (1905 – 1993)، أن مجلةً طلبت منه، ذات مرة، كتابة مقال عن أسلوب عباس محمود العقاد. كتب على الصفحة البيضاء العنوان وراح يحدّق فيه. خاطر خطر في ذهنه لحظتها: لماذا نتحدث عن «أسلوب» الكاتب، فيما المفردة مشتقة من الفعل: سلب، أي سرق، وسأل نفسه: ما العلاقة بين السلب والكتابة؟ وضع الورقة والقلم جانباً وذهب إلى المعاجم يُفتش عن تفاسيرها للمفردة، فوجد بين ما وجد تفسيراً وصفه ب«الجميل جداً» يفيد بما معناه أنه يصبح للكاتب أسلوب عندما ينجح في أن يسلب، أو يسرق، من نفسه سرّها، فليس كل إنسان يستطيع الإفصاح عما تضطرب به النفس من أفكار أو مشاعر، لكن الكاتب القدير يستطيع ذلك، أو هكذا يفترض، بأن يسحب مما يختلج في داخله، ويعرضه على الورق، وإلا ظلّ كامناً في النفس لا يعلم أحد بأمره، لذا بوسع القارئ، النابه خاصة، أن يتعرف إلى شخصية الكاتب من خلال ما يكتبه.
هذا بعض ما قاله زكي نجيب محمود في حوار تلفزيوني ثري أجراه معه الأديب والإعلامي فاروق شوشة حول تجربته في كتابة المقال بالذات، لكونه أحد أعمدته، وفيه تحدث محمود ببلاغة، تذكرنا بأحاديث طه حسين، موضحاً أن المقال جنس أدبي له جذوره في أدبنا العربي القديم حتى لو لم يكن يعرف بذلك، ومن الأمثلة التي دلل بها فن المقامة أو الرسائل مثل رسائل الجاحظ أو غيرها التي هي ضروب من المقالة الفنية، كما أطلق عليها تمييزاً لها عن نوع آخر من المقالة هو «المقالة الساردة».
وعن الفرق بين النوعين، المقالة الساردة والمقالة الفنية، قال محمود إن الأولى قائمة على الانتقال من فكرة إلى فكرة، فما يقوله الكاتب في فقرة تالية مبني على ما ورد في سابقتها، أما المقالة الفنية فتبنى على الانتقال من بقعةٍ إلى بقعة ومن محطةٍ إلى أخرى دون التقيّد بالتسلسل الصارم، فتخلق لدى المتلقي شعور من يتنقل من غرفة إلى غرفة في متحفٍ أو قصر، لكل غرفة جوّها، لكن كلها تحت سقف واحد، وفي هذا النوع من المقالة، أي الفنية، تبرز ذات الكاتب أكثر مما تبرز في المقالة الساردة المعنيّة، في المقام الأول، بشرح الفكرة.
آخر الكلام
فقرة بعد فقرة
20 مارس 2026 01:04 صباحًا
|
آخر تحديث:
20 مارس 01:04 2026
شارك