نجلاء الشامسي *

إن صدور القرار رقم (2817) عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يمثل لحظة مفصلية في الموقف الدولي تجاه الاعتداءات التي شهدتها المنطقة مؤخراً، فالقرار لا يكتفي بإدانة الهجمات التي استهدفت دول الخليج، بل يبعث برسالة واضحة مفادها أن أمن المنطقة واستقرارها ليسا شأناً إقليمياً فحسب، بل قضية تمس الأمن والسلم الدوليين.

الأهمية الحقيقية لهذا القرار تكمن في كونه يعكس إدراكاً دولياً متزايداً بأن استهداف الدول والمنشآت المدنية وتهديد الممرات الحيوية للطاقة والتجارة العالمية يشكل خطراً على النظام الدولي بأسره. ومن هنا فإن هذا الموقف الأممي يمثل دعماً واضحاً لسيادة الدول وحقها المشروع في حماية أراضيها وشعوبها وفق مبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

كما أن هذا القرار يعزز من الجهود الدبلوماسية الرامية إلى احتواء التصعيد في المنطقة، ويؤكد أن المجتمع الدولي يقف ضد سياسات زعزعة الاستقرار والفوضى التي تهدد الأمن الإقليمي، وهو في الوقت ذاته دعوة صريحة إلى احترام القانون الدولي والالتزام بمبادئ حسن الجوار وعدم استخدام القوة لفرض أجندات سياسية أو توسعية. وفي المحصلة فإن قرار مجلس الأمن لا يمثل مجرد موقف سياسي عابر، بل خطوة مهمة نحو ترسيخ مبدأ المساءلة الدولية، وتأكيد أن أمن دول المنطقة خط أحمر لا يمكن تجاوزه دون مواجهة موقف دولي واضح وحازم.

إن هذا القرار يحمل عدة تداعيات محتملة على الموقف الإيراني سياسياً ودبلوماسياً، ويمكن فهمها في عدة مستويات أهمها زيادة العزلة السياسية، فالإدانة الدولية الصريحة من مجلس الأمن تضع إيران تحت ضغط سياسي أكبر، لأنها تعني أن سلوكها أصبح محل إجماع دولي واسع أو شبه إجماع، هذا قد يؤدي إلى تضييق هامش المناورة الدبلوماسية أمامها في المحافل الدولية، كما أن تعزيز الضغوط والعقوبات يمهد الطريق لإجراءات لاحقة مثل تشديد العقوبات الدولية وفرض قيود على بعض القطاعات أو الأفراد.

وعلى الجانب الآخر، فإن القرار سيؤدي حتماً إلى تقوية الموقف القانوني للدول المتضررة ويعزز شرعية أي تحرك دفاعي أو سياسي من الدول التي تعرضت للهجمات، لأنه يقرّ بأن هذه الاعتداءات تهدد السلم والأمن الدوليين وفق ميثاق الأمم المتحدة ما يشكل ضغطاً داخلياً على صناع القرار في إيران. ومع تزايد الإدانات الدولية، قد يظهر نقاش داخل إيران بين تيارين، تيار يدعو إلى تخفيف التصعيد لتجنب مزيد من العزلة وتيار متشدد قد يحرض باتجاه الاستمرار في سياسة الردع والتصعيد مما سيؤثر في العلاقات الدولية لإيران، ويحرج بعض الدول التي تحاول الحفاظ على علاقات متوازنة معها، ما قد يدفعها إلى تقليل التعاون العسكري أو الأمني مع إيران واتخاذ مواقف أكثر تحفظاً في دعم طهران في المؤسسات الدولية.

وبالرغم من أن تداعيات القرار لن تكون فورية عسكرياً، لكنها تخلق بيئة ضغط سياسي ودبلوماسي متراكم على إيران، وقد تشكل خطوة ضمن مسار أوسع لإعادة ضبط ميزان الردع والاستقرار في المنطقة.

وبعد هذا القرار يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لرد الفعل الإيراني في المرحلة القادمة، فإما أن تتجه إيران إلى سيناريو التهدئة التكتيكية وخفض التصعيد مؤقتاً لتَجنُّبِ مزيد من الضغوط الدولية فتخفف خطابها السياسي وأنشطتها العسكرية المباشرة وتبدأ في استخدام قنوات دبلوماسية لتخفيف التوتر بهدف كسب الوقت، وتخفيف العزلة الدولية ومنع تحويل القرار إلى عقوبات أو إجراءات أشد وطأة عليها، لكن يبدو أن القوى لديها لم تتوافق على هذا السيناريو بعد، بدليل أنها مازالت تؤجج الأزمة أكثر فأكثر، ويبدو أنها اختارت سيناريو التصعيد وإظهار التحدي والرد بطريقة اندفاعية عبر إظهار عدم اكتراثها وتأثرها بالقرار، واتجهت نحو خطاب سياسي أكثر تشدداً ومصاحباً باستعراضات للقوة العسكرية وضربات أشد أو تجارب صاروخية، وقد تلجأ الى تحريك حلفائها الإقليميين للضغط غير المباشر، ويهدف هذا السيناريو لتعزيز صورة القوة والردع داخلياً وإقليمياً ودولياً، وإظهار أن الضغوط الدولية لن تغيّر سياساتها، كما قد تختار طهران سيناريو المناورة السياسية التلاعبي وهو الأكثر شيوعاً في ماضي السياسة الإيرانية، حيث تحاول الجمع بين التهدئة والتصعيد بشكل محسوب لتقليل الإتهامات ولفتح قنوات تفاوض غير مباشرة مع بعض الدول، ومحاولة كسب دعم دولي أقوى من دول مثل روسيا والصين لتخفيف الضغوط داخل مجلس الأمن، وهدف هذا السيناريو الحفاظ على النفوذ الإقليمي دون الوصول إلى مواجهة دولية مباشرة.

إن القرار 2817 يشكل ضغطاً سياسياً كبيراً على إيران، لكن طريقة استجابتها ستعتمد على حسابات معقدة ومتداخلة مثل ميزان القوى في المنطقة في الفترة القادمة وما يحدث على الأرض وموقف القوى الكبرى والحلفاء، والضغوط الاقتصادية الداخلية ومسار الداخل الإيراني والتحركات الضاغطة من الداخل، والتي برزت بوضوح أكثر خلال الفترة الماضية، وغالباً ستميل طهران إلى المناورة السياسية والخداع والتأرجح بين التصعيد المرتبط بردات الفعل الاندفاعية والتصعيد المحدود والتهدئة التكتيكية أحياناً للحفاظ على نفوذها وحتى لا تفقد القشة التي تربط تماسكها الداخلي وحلفاءها ولتجنب المزيد من الصدامات مع المجتمع الدولي المحتقن عليها.

*عضو المجلس الوطني الاتحادي