محمد خليفة
تمثل الحروب كابوساً في تاريخ البشرية، فمدادها الدماء، وسطورها الخراب والدمار، ورائحتها الموت والأوبئة في كل مكان، وذكراها الجراح والآلام.
وقد شهدت منطقة الخليج في العقود الأخيرة عدة حروب، فأضحت ساحة للتلوث، على الرغم من أن الخليج العربي يعتبر شريان حياة لأغلبية الدول المشاطئة له، حيث يمثل لبعض هذه الدول المورد الأساسي للمياه العذبة المحلاة، بسبب افتقار المنطقة للأمطار. ومنذ بدء هذه الحرب في الخليج العربي، تعطلت حركة النقل البحري في الاتجاهين، من الخليج وإليه. وأظهرت بيانات الشحن، أن ما لا يقل عن 150 ناقلة بينها ناقلات محملة بالنفط الخام، والغاز الطبيعي المسال متوقفة في مياه الخليج، عند مدخل مضيق هرمز، حيث توقفت عشرات السفن والناقلات الأخرى على الجانب الآخر من المضيق في بحر العرب.
ويمرّ عبر مضيق هرمز نحو 20% من النفط العالمي، فضلاً عن كميات كبيرة من الغاز الطبيعي. ورغم أنه لم يسجّل حتى اليوم غرق سفينة في مياه الخليج، لكن الخطر يبقى قائماً طالما ظلّت الحرب مستمرة. وهناك خطر أعظم من غرق السفن، وهو خطر جاثم على الجانب الآخر من الخليج، ويتمثل في مفاعل بوشهر، وهذا المفاعل قيد التشغيل.
وقد حذر مدير مؤسسة «روساتوم» الروسية للطاقة الذرية «أليكسي ليخاتشوف»، من أن أي ضربة تستهدف هذا المفاعل، قد تؤدي إلى «كارثة على نطاق إقليمي واسع». ووفق هذا المسؤول الروسي، فإن مفاعل بوشهر «يعمل حالياً بكامل طاقته، ويحتوي على 72 طناً من الوقود النووي، إضافة إلى 210 أطنان من الوقود المستهلك. وهذه كتلة ضخمة من المواد الانشطارية الخطِرة الموجودة في هذا المفاعل، والتي قد يؤدي انفجارها إلى حدوث كارثة بيئية على نطاق واسع في هذه المنطقة.
وقد استهدف الطيران الأمريكي والإسرائيلي منشآت نووية سرية في «فوردو» و«نطنز»، وهما منشأتان مخصصتان لتخصيب اليورانيوم، إضافة إلى استهداف المجمع النووي الكبير في طهران، والذي يضم مفاعل طهران للأبحاث، ومن غير المعروف ما إذا كان قد حدث تسرب إشعاعي من المنشآت المستهدفة. لكن لا يزال الخطر قائماً، ولاسيما فيما يخص محطة بوشهر التي ربما بنيت في المكان الخطأ. وتمس هذه المنشآت أمن واستقرار الدول المجاورة، وهي، عند ذلك، تشكل تعدياً على أمن هذه الدول. وطالما أن الحرب لا تزال قائمة، فإن الأيام القادمة قد تكون مملوءة بالمفاجآت.
يعد الخليج العربي بحراً شبه مغلق، وهو يرتبط مع المحيط الهندي عبر مضيق هرمز الذي يتراوح عرضه بين 33 إلى 39 كيلومتراً بين ساحلي إيران وسلطنة عُمان والإمارات. وهو بعمق يتراوح بين 35 و50 متراً، وأي تلوث يحدث فيه لا يتلاشى بسرعة، بل يستمر لسنوات طويلة، وذلك بسبب ضعف التيارات المائية الداخلة إليه والخارجة منه. ولذلك فإن حطام السفن الغارقة في مياه الخليج قد تؤدي إلى تلويث هذه المياه. وخلال الحرب بين إيران والعراق، والتي استمرت ثماني سنوات، تم ضرب 543 ناقلة نفط وسفينة في مياه الخليج، وتعرضت أكثر من 250 ناقلة للغرق.
وقد ظل حطام تلك السفن راكداً في الأعماق، وأصبحت هياكلها صدئة تعج بالسموم، لأنها غرقت بحمولتها من النفط، وإضافة إلى ذلك، فإن تآكل هياكلها يؤدي إلى اختلاط المعادن، ولاسيما الحديد بالماء. والحديد هو عنصر يغذي العوالق النباتية، مثل الطحالب التي تؤدي كثرتها إلى خنق الشعاب المرجانية ونفوق الأسماك، وتعد الشعاب المرجانية بمثابة حجر الزاوية في حياة الأسماك البحرية، حيث توفر مأوى آمناً وحاضنات لصغار الأسماك، ومصادر غذائية غنية، ومناطق للتزاوج، ما يدعم التنوع البيولوجي لأكثر من 25% من الكائنات البحرية، بما في ذلك 4000 نوع من الأسماك، وتعمل أيضاً كحواجز طبيعية لحماية السواحل من الأمواج.
وقد نفذت دول الخليج العربية حملات ومبادرات لتنظيف قاع بحر الخليج وإزالة المخلفات، بما فيها بقايا السفن الغارقة والشبكات المهجورة، وذلك لحماية البيئة البحرية واستدامة مواردها. ومن ذلك العديد من فرق الغوص المختلفة على مستوى دولة الإمارات العربية المتحدة المتخصصة، والتي كرّست وقتها وحياتها من أجل تنظيف قاع الخليج العربي من السموم والمخلّفات البلاستيكية، والنفايات المعدنية، بهدف حماية البيئة البحرية، وصون الشعاب المرجانية. وأيضاً هناك المبادرة التي أطلقتها «هيئة البيئة» في أبوظبي الشهر الماضي، والتي تهدف إلى مضاعفة المخزون السمكي في دولة الإمارات، ليصبح من بين الأعلى كثافة على مستوى العالم بحلول عام 2030، وتتكامل هذه المبادرة مع مجموعة من المبادرات الداعمة الأخرى التي أطلقتها الهيئة، ومن أبرزها «مبادرة استزراع الشعاب المرجانية» التي تستهدف استزراع أكثر من أربعة ملايين مستعمرة مرجانية بحلول عام 2030 لتغطية 900 هكتار، ما يجعل هذه المبادرة واحدة من أكبر مشاريع ترميم المرجان عالمياً.