وليد عثمان
يتناسى كثيرون على امتداد الخريطة العربية أننا في حالة حرب حقيقية لها تداعيات طويلة على المنطقة، خاصة قلبها العربي الذي يواجه بصمود وانتباه واحدة من أقسى موجات الاستهداف عبر التاريخ، والتهديد ليس متصلاً بمن يعيش التفاصيل الآن في الواقع وعبر الشاشات، وإنما ترتبط به مصائر أجيال مقبلة، المجهول فيها أكثر من المعلوم.
تضحيات القوات المسلحة والأمنية والمؤسسات الداعمة لها وصمودها في وجه التهديد الوجودي يهيئ للمتفرغين للاشتباك الافتراضي أو الواقعي أن فرض الاشتراك في مجابهة الخطر سقط عنه، وأن مسؤولية صده تقع فقط على من يبذل الغالي والنفيس حفاظاً على وطن بمعانيه المقدسة وما يتفرع عنها من تفاصيل حياة يومية أبسط ما فيها نعمة تستوجب الحمد ودعاء الله تضرعاً وخفية أن يديمها.
الحرب المفروضة على جزء من الجسد العربي لا تخصه وحده، بل تفرض أن يتداعى له سائر أعضائه، فلا أحد محصن من توابع تمدد الخطر، والوقائع تثبت أن النجاة، أو عدمها، مصير جماعي، إن على مستوى الوطن الواحد، أو الخريطة العربية التي لا تستريح من غزوات الاستهداف ومؤامرات التمزيق، وبعض أبنائها، للأسف، ضالعون في ذلك.
إن معاونة من يستهدف الجسد العربي لا تعني فقط مناصرة أعدائه، بل يتورّط فيها بحماسة لحظية أو غفلة عن العواقب أو التعصب الأحمق لانتماء كل من يشترك في معارك وهمية أو يشتبك مع حماقة تطل من هذا الجانب أو ذاك، أملاً في نصر متوهم أو مغانم فردية مفخخة.
لا عذر لأحد إن تخلّف عن نصرة وطنه، سواء انتمى إليه بالجنسية أو القلب، ولا مسوغ لعربي لا يتعامى فقط عن الخطر الجماعي، وإنما يعيق المشتبكين معه بتبديد الجهود والانصياع لمن يتربصون بنا ويبحثون عن نقاط اختراق إضافية في جسد المنطقة.
لا يروق لمن يستهدفون بلداننا أن تمضي الحياة بإيقاعها المعتاد رغم القصف، ولا أن تبدو صامدة مكتملة عاقلة أمام الاعتداء ومساعي التوريط فيما يهلك حصاد السنين، ولا يرضيهم أن تتواصل وتيرة العمران المحمي بقوة التسامح والتعايش والتماسك المجتمعي قبل الجاهزية العسكرية. لذلك، فإن اللحمة الوطنية في كل بلد عربي هي الهدف الدائم، ولا سبيل إلى تفتيتها إلا بإشاعة العصبية لاختلافات طبيعية في الانتماءات الفرعية والهامشية وتقدير الموقف، ثم توسيع رقعة التباين عربياً، لتنشأ المعارك البينية الزائفة التي يتخفى في غبارها العدو الحقيقي، فنتبادل نحن توجيه السهام لبعضنا البعض.
إن وصفة التفتيت مجربة في أقطار عربية ونواتجها الدامية ليست في حاجة إلى التذكير بها، لأنها ماثلة منذ سنوات أمام كل مبصر وبصير، وتنطق بنهايات من وُعدوا بمكاسب قريبة لحزب أو طائفة أو جماعة، لكنهم يحصون الآن خسائرهم، وأفدحها وطن ينتسبون إليه ويشعرون بإنسانيتهم تحت رايته.
الحرب، مرة أخرى، لا تستهدف العمران فقط، بل هدفها الأول الإنسان الواعي لمكامن الخطر المحدق.