..أقصى هدف يصل إليه الصاروخ الباليستي يقع على بُعْد ألف أو ألف وخمسمئة متر، ثم، ينفجر، ويتشظّى وقد تسبب في خراب مدرسة أو جامعة أو مستشفى، ثم مع مرور الوقت يصبح خردة أو حكاية عابرة، لكن جلال الدين الرومي وصل إلى أقاصي أمريكا، ويجلس عمر الخيام في أرقى مقاعد التكريم في الجامعات الأوروبية العريقة، ويمضي حافظ شيرازي في تعميم ثقافة الحب، لا ثقافة الباسيج..
عُمْر الصاروخ دقائق معدودة قبل ان يتحوّل إلى بخار، والقصيدة الجميلة تعيش آلاف الأعوام. تصبح هي جزءاً من تاريخ الحياة، ويذهب تاريخ اليورانيوم والقنبلة النووية إلى عشّة العنكبوت..
الفردوسي أكثر بقاءً من كسرى وملوك الروم في الذاكرة البشرية، والمتنبي حيّ يُرزق إلى اليوم، والقصيدة التي قيلت في مديح المعتصم لأنه انتصر لامرأة هي أبرز ما في تاريخه الإنساني، والقياصرة المدجّجون بالجوخ والسيوف أقل وزناً من دوستوفيسكي وتولستوي..
..ثم، وماذا بعد؟؟.. كل شيء سيمضي، وسيأتي، ما بعده، أما الباقي فهو الأدب، والفن، والجمال، وكان محمود درويش يقول: «..هَزَمَتْكَ يا موتُ الفنونُ جميعُها..».
ماذا تريد القول؟؟، .. القول إن الثقافة فقط هي الخلود والبقاء والتاريخ. لا مرجعية الملّا والعمامة، ولا مزارع الطائفة والمذهب، ولا غليان الدم والعِرْق.. كلّها فراغ، وضبابْ..
الأيديولوجية صندوق أفكار مزخرف. وإلى حدّ بعيد يشبه صندوق (باندورا) الذي ما إن يُفتح، حتى تخرج منه العفاريت، وتفور منه رائحة الكبريت، ومن يختار عقيدة في حدّ ذاتها ويحشر ثقافته كلّها فيها، يشبه من يتفنّن في تشييد ضريح له من الرخام، وهو على قيد الحياة..
وماذا تريد القول؟، القول لا تثق بالراعي الذي يأخذ قطيعه إلى بئر مسمومة، ولا تثق بالرمزيات البرّاقة التي تنتجها ثقافة القوّة، .. ويا للمفارقة، فهناك مَن يأخذ حكمة الفراشة على محمل الجدّ، فإن في رفّة جناحها قوّة زلزال..
الثقافة هي القوّة. القصيدة، اللوحة، الكتاب، القطعة الموسيقية، خشبة المسرح، المعمار، الأثر، الصداقة، أخلاق الحوار، الأغنية الإنسانية الرفيقة، الكتابة، التنمية، البناء، المعرفة.. كلّها عناصر قوّة، وكلّها حلم الإنسان المدني السوي، وما عدا ذلك، فهو حلم المريض..
.. وما من حرب عاشت إلى الأبد، فيما الأبديّة والنصر والكمال تجدها معاً في قلعة أو في جسر أو في طريق أو في متحف أو حديقة.. علامات حضارة الإنسان التي يتوجه اليها رأس الصاروخ.. رأس الأعمى..
رأس الأعمى..
22 مارس 2026 00:09 صباحًا
|
آخر تحديث:
22 مارس 00:09 2026
شارك