حسام ميرو
لم يكن موقف الحكومة الإسبانية الرافض للحرب مفاجئاً للأوروبيين، في تحدٍّ واضح لواشنطن والرئيس دونالد ترامب، ليس فقط لأن الحزب الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء بيدرو سانشيز هو حزب يساري «الحزب الاشتراكي العمالي»، الأمر الذي قد يفسر هذا الموقف نسبياً، لكن الدلالات الأعمق ترتكز على شعور أوروبي بأن واشنطن مضت بعيداً في تجاهل المصالح الأوروبية، ناهيك عما أطلقه الرئيس ترامب من تصريحات هجاء قاسية للقادة الأوروبيين منذ استلامه مقاليد ولايته الثانية، والتعامل معهم بفوقية ظهرت للعلن في مواقف عديدة، وانتقاد سياسات راسخة في هذه الدول، مثل نظام الرعاية الاجتماعية، أو فتح الحدود أمام اللاجئين، إضافة إلى عدم الإنفاق الكافي في المجال العسكري.
وبلهجة أقل مباشرة وأكثر دبلوماسية، قال رئيس الوزراء البلجيكي ألكسندر دي كرو، إنه من «الضروري العودة للمسار الدبلوماسي، فالوضع في الشرق الأوسط سينعكس على استقرار الاقتصاد العالمي»، في الوقت الذي يخشى فيه القادة الأوروبيون من موجة تضخم تجتاح الأسواق، على وقع التطورات الميدانية التي أضرّت بتصدير النفط والغاز من الشرق الأوسط، وإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الملاحة التجارية، وارتفاع أسعار النفط في الأسواق، واضطرار قادة 32 دولة من بينهم القادة الأوروبيون بالاتفاق مع وكالة الطاقة الدولية، اتخاذ قرار الإفراج عن 400 مليون برميل نفط من الاحتياطي العالمي، لتلبية طلب الأسواق، وتخفيف الصدمة الاقتصادية الناجمة عن تعطّل تدفقات الخام.
الموقفان الألماني والفرنسي، باعتبارهما الدولتان الأكثر نفوذاً اقتصادياً وسياسياً في الاتحاد الأوروبي، حاولا إقامة نوع من التوازن، المبني على رفض الحرب، ورفض الانخراط فيها، مع التأكيد على ضرورة حماية طرق الملاحة في مضيق هرمز، وإدانة الهجمات الإيرانية على دول الخليج، والتأكيد على ضرورة خفض التصعيد، والعودة للدبلوماسية، وهو الموقف الذي انضمت إليه إيطاليا، بعد أن آثرت جورجيا ميلوني رئيسة الوزراء عدم تقديم أي تصريح، وعدم الحضور إلى البرلمان، الذي طالبها بعرض موقف حكومتها من الحرب، وفي نهاية المطاف، قالت جورجيا ميلوني، إن «رئيس الوزراء الإسباني كان أكثر شجاعة في رفضه المبكر للحرب»، وإن «هذه الحرب ليست حربنا».
هذه المواقف المتناغمة والمتوافقة مع بعضها البعض لقادة أبرز دول الاتحاد الأوروبي، في رفضها للحرب التي اتخذت بقرار أمريكي إسرائيلي من دون أي تشاور أو تنسيق مع الحلفاء عبر الأطلسي، تأتي في سياق إعادة الحسابات الأوروبية تجاه قضايا استراتيجية عديدة، وانطلاقاً من استياء عارم لما ألحقته سياسات الرئيس ترامب باقتصاداتهم عبر فرض رسوم تجارية مرتفعة على صادرات أساسية، والتي بدأت تترك آثارها في أسواق العمل بالبلدان الأوروبية الصناعية، والتي كانت تعاني أصلاً تفاقم مشكلاتها الاقتصادية والمالية منذ جائحة كورونا في عام 2019، ومن ثم الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير/شباط 2022.
في عمق الموقف الأوروبي الرافض للانخراط في الحرب، تظهر ملامح استراتيجية دفاعية أوروبية جديدة، تسعى إلى ضبط ردّ الفعل في بيئة دولية مضطربة، وترك مسافة بين خيارات أوروبا وخيارات واشنطن، بعد أن أصيبت الأمم المتحدة بحالة عطالة شبه كاملة، خصوصاً عقب سلسلة القرارات التي اتخذها الرئيس ترامب ضد هذه المؤسسة، من قبيل الانسحاب من عدد من المنظمات الدولية، أو دعوته إلى تأسيس «مجلس السلام العالمي»، كمنافس للأمم المتحدة، وهو ما يراه الأوروبيون انقضاضاً على قواعد القانون الدولي، وآليات إدارة الصراعات في العالم.
بطبيعة الحال، لم تنس أوروبا بعد تصريحات الرئيس ترامب بأهمية الاستحواذ على جزيرة غرينلاند الدنماركية لضمان مصالح واشنطن، خصوصاً أن الدانمارك والولايات المتحدة عضوان في الحلف الأطلسي، وقد رأى الأوروبيون أنه يتعامل مع دولهم وكأنها فنزويلا، التي اقتاد رئيسها إلى السجن في بلاده، ووضع يده على نفطها، وأنه لا يقيم أي وزن للقانون الدولي، أو حتى لاعتبارات التحالف التاريخي بين الولايات المتحدة وأوروبا، والذي يفترض أنه لا يقوم فقط على المصالح، وإنما أيضاً على احترام مبدأ السيادة، والتشارك بالقيم الليبرالية والديمقراطية.
التقييم الأوروبي العام للحرب الأمريكية يقوم على ثلاثة مستويات، الأول أنها لا تحظى بإجماع أمريكي داخلي، والثاني أنها تحمل في طياتها طموحاً خاصاً للرئيس ترامب بتحقيق إنجاز تاريخي، والثالث بأنها لم تضع كل السيناريوهات في الحسبان، كما أن عدم حسم واشنطن لها، يمكن أن يكون مفيداً لاحقاً بالنسبة لأوروبا، خصوصاً إذا ما خسر الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية المقبلة، ما سيمنح أوروبا هامش تفاوض أكبر مع واشنطن، وسيزيد من حماسة أوروبا لرفع مستوى الشراكة مع بكين على كل المستويات.
إنها لحظة فارقة بالنسبة لأوروبا وقادتها، بقدر ما تنطوي في نظرهم على مخاطر، بقدر ما يمكن أن تحمل من فرص، تسمح لهم بالتموضع من جديد، لكن بخط سير فيه مستوى أعلى من الاستقلالية عن واشنطن.