في العادة، تُكتب الاستقالات في الهامش. لكنها، حين تتكرر، تزاحم المتن.. حتى تكاد تفضحه.
ليست مجرد مغادرات، بل لغة أخرى للدولة، تُقال حين تعجز اللغة الرسمية عن قول ما ينبغي. نص خافت، لكنه أكثر صدقاً، يُكتب بالأسماء لا بالبيانات، وبالانسحاب لا بالتصريح.
بهذا المعنى، لا تبدو استقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب جو كينت حدثاً استثنائياً بقدر ما تبدو متأخرة. فالرجل لم يخرج عن السياق... بل التحق به.
القصة لم تبدأ معه، لكن الأسوأ أن لا تنتهي عنده. في فبراير/ شباط 2025، وضعت المدعية العامة دانيال ساسون اسمها على الاستقالة، بعدما رفضت أن تضعه على قرار لا يشبه القانون الذي تمثله. لم يكن ذلك خلافاً إجرائياً، بل لحظة اصطدام صريحة بين ما يجب أن يكون، وما يُراد له أن يكون. ثم جاء هاتان سكوتن، ولحق به آخرون من قسم النزاهة العامة، لا كأفراد متفرقين، بل كأصوات اختارت أن تقول «لا».. بالطريقة الوحيدة التي بقيت لها. كانت تلك أول إشارة إلى أن الاعتراض داخل الدولة لم يعد يُعبر عنه بالتصريحات، بل بالانسحاب.
في مارس/ آذار 2025، خرج جيمس دينيهي من رئاسة مكتب التحقيقات الفيدرالي في نيويورك، في استقالة وصفت بأنها جاءت تحت ضغط. هنا، لم تعد الحدود واضحة بين الاستقالة والإقالة، بين القرار الشخصي والإزاحة المغلفة. اتسعت المنطقة الرمادية، حتى لم يعد واضحاً إن كان ما يحدث خروجاً أم إخراجاً.
وبين مارس/ آذار من العامين الماضي والجاري يبدو أن المسار لم يبق محصوراً داخل الجهاز التنفيذي.
ففي الكونغرس، بدأت ملامح تململ من نوع مختلف. انضم عدد من الجمهوريين إلى تمرير خطوة إجرائية هدفت إلى تقييد التحرك في فنزويلا، من بينهم راند بول، توماس ماسي، مارغوري تايلور غرين، ليزا آن ماركوفسكي، سوزان كولينز، وتوم تيليس. لم يكن هذا اصطفافاً جديداً، بل اختباراً لحدود الاصطفاف القديم، كان شيئاً بين الاثنين: اعتراض محسوب، لا يهدم السقف، لكنه يرفع الصوت تحته.
وفي ملف الرسوم الجمركية، خصوصاً تجاه كندا، ظهرت أصوات جمهورية تعارض التوجهات الحمائية، مثل برايان فيتزباتريك ودان نيوهوس، إلى جانب آخرين رأوا أن كلفة السياسات الاقتصادية قد ترتد داخلياً، في لحظة يحتاج فيها الحزب إلى توحيد رسالته لا تعقيدها.
أما في التصويت على حزمة الإنفاق البالغة 1.2 تريليون دولار، فقد ذهب نحو واحد وعشرين نائباً جمهورياً إلى كسر الاصطفاف، رافضين الانصياع الكامل لموقف البيت الأبيض وقيادة المجلس.
وفي ملف آخر لا يقل حساسية، أثار الطرح المتعلق بغرينلاند انتقادات داخلية، حيث عبّر بعض الجمهوريين، مثل جون كينيدي من ولاية لويزيانا وتوم تيليس، عن قلقهم من مغامرة بدت أقرب إلى المقامرة الدبلوماسية منها إلى الحسابات الواقعية.
حتى في ملف الهجرة، الذي يُعد تقليدياً نقطة تماسك داخل الحزب، بدأت تظهر نبرة مختلفة. فقد انتقدت سوزان كولينز ما وصفته بالإفراط في تكتيكات وكالة الهجرة والجمارك، خصوصاً في عمليات نُفذت في ولايات مثل مينيسوتا، معتبرة أن القسوة المفرطة قد تُكلف الحزب صورته، حتى لو كسب معركته الميدانية.
كل هذه الخيوط، حين تُجمع، لا ترسم صورة انقسام حاد، بقدر ما تكشف عن شيء أكثر تعقيداً، الحزب الجمهوري لا ينقلب على الترامبية، لكنه بهدوء محسوب بدأ يتحرر من صلابتها. هناك ما يشبه «جيباً جمهورياً» يتشكل ببطء، لا يعلن نفسه بوضوح، لكنه يختبر المسافة الممكنة بين الولاء والاختلاف.
خطورة هذا التحول لا تكمن في حجمه، بل في توقيته، قبل أشهر من الانتخابات النصفية، حيث تقاس القوة بالتماسك لا بالتنوع. هذا لا يعني أن الحزب يتفكك، بل إنه يدخل مرحلة تفاوض داخلي مع ذاته: كم من الترامبية يمكن احتمالها؟ وأين تبدأ كلفتها السياسية؟
هنا، لا تبدو المسألة مجرد تباينات عابرة، بل ملامح مرحلة حزبية، وما يليها قد يكون أكثر وضوحاً بكثير. ففي حال خسر الجمهوريون الانتخابات النصفية، لن يبقى هذا «الجيب» في منطقة الظل طويلاً، بل قد يخرج إلى السطح بوصفه محاولة منظمة لإعادة تعريف الحزب، لا عبر القطيعة الكاملة مع الترامبية، بل عبر تحميلها كلفة الهزيمة. حينها، قد تتحول الاعتراضات المتفرقة إلى خطاب متماسك، يُقال فيه ما لم يُقل قبل نوفمبر (تشرين الثاني): أن المرحلة استُنفدت، وأن الإنقاذ يمر عبر إعادة التموضع لا الاستمرار.
الأكثر دلالة أن بعض الأقطاب لا ينتظرون النتيجة ليحددوا مواقعهم، بل يبدؤون منذ الآن برسم خط رجعة محسوب. فداخل الدائرة الأقرب للرئيس، تبرز أسماء اختارت أن تبقى على مسافة محسوبة من أكثر الملفات حساسية، فلم تندفع إلى تأييد الحرب الأخيرة على إيران، كما أنها لم تعارضها صراحة، بل فضلت الصمت كخيار سياسي بحد ذاته. هذا النوع من الصمت ليس فراغاً، بل موقف مؤجل، يُخزن لوقت الحاجة، لحظة قد يُطلب فيها من الحزب أن يعيد تقديم نفسه، لا فقط أن يدافع عن ماضيه.
بهذا المعنى، لا يكون السؤال إن كان الحزب الجمهوري سيتغير، بل متى وبأي كلفة، ومن سيقود لحظة التحول: أولئك الذين غادروا بصمت، أم أولئك الذين أتقنوا الصمت حتى يحين وقت الكلام؟
هل يستعد الجمهوريون لما بعد ترامب؟
23 مارس 2026 00:30 صباحًا
|
آخر تحديث:
23 مارس 00:30 2026
شارك