في الوقت الذي يهيمن فيه الفضاء الرقمي على مفاصل الحياة اليومية، جاء تقرير السعادة العالمي لعام 2026، المدعوم من الأمم المتحدة، ليدق ناقوس الخطر حول ضريبة «الاتصال الدائم».
إذ كشف التقرير عن تحول دراماتيكي في مستويات الرضا عن الحياة، رابطاً بشكل مباشر بين الاستخدام المكثف لمنصات التواصل الاجتماعي وتراجع الصحة النفسية لدى الشباب عالمياً.
إذ سجل التقرير ظاهرة مثيرة للقلق، فبعد عقود من استقرار معدلات السعادة في الدول ذات الدخل المرتفع، شهد العقد الماضي انخفاضاً ملحوظاً في رفاهية الفئات العمرية دون سن 25 عاماً، لاسيما في الولايات المتحدة، كندا، أستراليا، ونيوزيلندا.
ويرى الخبراء أن هذا التراجع يتزامن مع تحول هذه المنصات من أدوات ترفيهية إلى بيئات افتراضية بديلة تستهلك معظم وقت الشباب، مما أدى إلى تآكل الروابط الاجتماعية الواقعية.
وأظهرت البيانات أن تجاوز حاجز 5 ساعات يومياً خلف الشاشات يعد «نقطة تحول حرجة»، حيث تزداد بعدها مشاعر القلق والاكتئاب بشكل مطّرد. وتعد الفتيات المراهقات الفئة الأكثر تضرراً، نتيجة وقوعهن في فخ «المقارنة الاجتماعية» القائم على الصور المثالية المزيفة، والاستهلاك السلبي للمحتوى المرئي الذي تفرضه الخوارزميات، مما يولد شعوراً مزمناً بعدم الرضا عن الذات والمظهر.
من جانبهم، يؤكد الباحثون أن التكنولوجيا ليست شراً مطلقاً، بل يعتمد تأثيرها على كيفية الاستخدام، فالاستخدام الآمن، وهو الاستهلاك المعتدل الذي لا يتجاوز ساعة واحدة يومياً، يرتبط بمستويات رضا مستقرة. وكذلك نوع المنصة، وهي التطبيقات التي تركز على المراسلة المباشرة (مثل واتساب) تُعد أقل ضرراً لأنها تعزز الروابط الفعلية، بخلاف المنصات القائمة على «التمرير اللانهائي» والمحتوى الموجّه بخوارزميات تهدف لإبقاء المستخدم أسيراً للشاشة.
أدت هذه النتائج الصادمة إلى تحرك دولي لفرض قيود عمرية صارمة وتنظيمات تحدّ من توغل المنصات الرقمية في حياة القصر. ويرى الخبراء أن الحل لا يكمن فقط في القوانين، بل في ضرورة استعادة التوازن بين الحياة الرقمية والواقعية.
إن أرقام تقرير السعادة العالمي لعام 2026 ليست مجرد إحصاءات عابرة، بل هي دعوة صريحة لإعادة النظر في علاقتنا بالشاشات. فبينما تفتح لنا التكنولوجيا أبواباً لا نهائية من المعرفة والاتصال، تظل السعادة الحقيقية كامنة في اللحظات التي نعيشها بكامل حواسنا بعيداً عن صخب «الإعجابات» وبريق «الفلاتر».
