وليد عثمان

طالت الحرب الجارية في المنطقة أو قصرت، فإنها ستلد يومها التالي، وسيكون، بلا شك، فارقاً عما قبل هذا الخطر المحدق بالمنطقة، بل والعالم المهدد في أمنه وغذائه وبقية أسباب عيشه، وما بعده.
ورغم كل ما يقال عن أفول شمس دول الخليج، فإنه يبقى في دائرة التشاؤم المفهوم من البعض في وقت حرج، أو التمني المسموم من جهات لا تريد أن تصدق ما ثبت من حقائق التاريخ والجغرافيا وتتوهم أنها أمام كيانات طارئة أو مؤقتة تدور، وجوداً وعدماً، مع الثروة النفطية.
سيزول التشاؤم تدريجياً مع انحسار العاصفة، ولن تطول أوهام الأفول أمام مضي دول الخليج في بناء المستقبل في ضوء ما يفرضه الراهن من أسئلة، ومراجعات لا تخلو من نقد للذات أولاً قبل أي آخر.
لا تخلو دولة خليجية من الأسئلة والمراجعات، لكنها قد تكون مؤجلة البزوغ أو مكتومة في ظل الانشغال باللحظة الراهنة، غير أن الإمارات تملك، رغم توحد الجهود في مواجهة القصف وأشكال أخرى من الاعتداء، شجاعة الإفصاح عن الشواغل الخليجية، لا الفردية في تعبير متجدد عن قيمة أولى دوائر الانتماء وأقرب منطلقات العمل العربي المشترك.
أمام خطورة اللحظة، تنشغل الإمارات، كالعادة، بالمستقبل، ويتصاغر في رؤيتها ما مرّ من مناسبات اختلاف أو تباين بديهي في التوجهات، لتنبّه إلى لوازم اليوم الخليجي التالي، أي المستقبل، بما فيه من تبدلات جيواستراتيجية عميقة يفرضها الاعتداء الإيراني الذي بدا صادماً لحسن نية طويل ورغبة صادقة في دوام التجاوز الآمن المحترم للأمن والسيادة وضروة العيش المشترك.
صدمة الأمس القريب أمكن تجاوزها، لكنها، في قراءة الإمارات لليوم الخليجي التالي، لا يصح أن تتكرر، وضمانة ذلك إعادة ترتيب أوراق المنطقة في ضوء التحولات الجيواستراتيجية التي ينبغي تأسيس العمل المشترك عليها.
إن كانت إيران، باعتداءاتها المتواصلة، فاجأت جيرانها العرب وخذلتهم، فإنها أول الخاسرين، لأنها أدخلتهم بما تعتبره الإمارات «حسابات سياسية خاطئة» في زمرة المتحسبين للخطر الإيراني. وبدلاً من الإسهام في تقريب المسافة بين إيران والقوى الدولية التي تشتبك منذ عقود مع هذا الخطر، أصبح من المحتم على دول الخليج أن تضعه في صميم تحركها للمستقبل، لا بدافع التجني أو نصرة طرف، وإنما بما تفرضه الدروس المستخلصة من العدوان الإيراني المتواصل.
هذه الحتمية هي ما تقوم عليه الرؤية الإماراتية، ومبتدؤها الإيمان بالأمن الخليجي المشترك، والأهم خصوصيته التي لا تفصله عن الصيغ الكلية للأمن العربي، وإنما تعي حاجته إلى فهم مستقل يراعي الاقتراب الجغرافي من فوهة الخطر الإيراني واحتمالات تكرار اعتداءاته إذا استمرت الحسابات السياسية الخاطئة مهيمنة على قرار طهران ورؤيتها لجيرانها العرب.
هذا الفهم المستقل يعني بالضرورة المزيد من زيادة القدرات الوطنية وتوثيق التعاون الخليجي وما يلزمه من تحالفات، ما يعني ديمومة تحصين اليوم التالي من خطأ الحسابات.

[email protected]