«من عزّ النوم يسرقني» الصوت المدوي، لا، ليس صوتاً واحداً وإنما أصوات متتالية كالتي اعتدنا سماعها على مدار الأسابيع الأربعة الماضية، منذ أن اندلعت الحرب الدائرة من حولنا، ووجدنا أنفسنا وأوطاننا هدفاً لها، أصوات الصواريخ والمسيرات الإيرانية المعتدية، والمضادات الأرضية التي تتصدى لها دفاعاً عن الوطن وأهله وساكنيه، وحماية له من كيد الكائدين.
استغرق الأمر مني دقائق حتى أدرك أن ما «سرقني» من النوم، هذه المرة، ليس هو نفسه الذي فعل بنا الفعل نفسه في ما انقضى من أيام وأسابيع، وإنما هو دوي الرعد المصاحب للأمطار الغزيرة التي شهدتها بلدان الخليج، والتي ما إن انهمرت حتى خطر في بالي أن السماء أرادت تطهير نفسها من كمّ الغازات التي لوثتها على مدار أسابيع، والكثير منها آتٍ من استهداف محطات تصفية البترول وخزانات الغاز وسواها.
ليست أصوات الرعد جديدة على مسامعنا، لقد ألفناها طوال أعمارنا كلما انهمرت علينا الأمطار التي يسمونها رعدية، لكنها المرة الأولى في العمر التي يلتبس على الأذن الصوتان: صوت الرعد وصوت الانفجارات، ولستُ في حاجة لأن أشرح الفرق بينهما. الأول هو صوت الحياة والفرح والأمل والمنذر بخصوبة الأرض، حين ترسل السماء عبر رعدها بشارتها بالمطر المصاحب أو الآتي بعد هنيهات، فيما الصوت الثاني هو صوت الموت والدمار والخراب ومقت الحياة، ممن يعزّ عليهم أن يعيش الناس في أمن وأمان.
أسأل نفسي: أجنت علينا الأقدار حين وضعتنا في مرمى فوهات النيران في حرب لسنا طرفاً فيها وليس لنا فيها مصلحة؟ أياً كان الأمر نحن في لحظة تحدٍ كبير تواجهها أوطاننا، والولاء للوطن والدفاع عنه وسيادته وسلامة أبنائه مسؤولية وطنية في كل الأوقات، ولكن قيمة كل ذلك تتضاعف مرات عند المحن.
ساعتها استحضرت أغنية من أجمل ما غنته فرقة «أجراس» البحرينية التي أسسها الفنان سلمان زيمان، من كلمات الشاعر السعودي مسفر الدوسري، تقول: «يمه هذي الأرض أرضك/ هذي نبضك/ هذي أقدارك وحظك/ خل جفنك دوم يسهر/ الوطن مهو قصيدة/ تنكتب في قلب دفتر/ الوطن ياوليدي أكبر/ الوطن يا وليدي كلمة/ تختصر ماضي وحاضر/ تختصر أحلام باكر/ الوطن موال أخضر/ الوطن أيام حلوة/ أيام عسرة/ بيت وذكرى/ شوق دافي حب دايم/ في عيون الكل يكبر».