وليد عثمان

من أسوأ ما تركه فينا اهتراء قواعد العمل العربي المشترك ومخرجاته خلال العقود الثلاثة الماضية على الأقل أننا نختلف في لحظة خطر كالتي نواجهها على معنى العدو.
وهذا الاختلاف واحد من اختبارات اللحظة، بل من أقساها، لأنه لا أصعب على جماعة أو أمة من أن تفشل في تحديد عدوها، فهذا الفشل يشتت جهود مواجهته وتبيُّن مكامن الخطر الذي يمثله؛ ليسهل التصدي له تصدياً جماعياً.
وحتى إذا كان التوحد الكامل في وجه الخطر المحدق بنا غير ممكن، فليس أوجب من دعم من يبصر حقيقته وتوابعه، ولو بالكف عن جره إلى مساحات جدل تشغله عن مقاومة العدوان عليه، وهذا أضعف الإيمان.
تشعر دول الخليج، وهي تواجه الاعتداء الإيراني المتواصل، بغصّة لها ما يبررها، ويعيش كثير من أبنائها المعنى الحقيقي لظلم ذوي القربى الذي هو أشد مضاضة من وقع الصواريخ والمسيرات الإيرانية التي تعيد تثبيت كثير من المفاهيم والقيم، وفي مقدمتها الانتماء الذي يعززه المواطنون الخلجيون والمقيمون بينهم في أمان، والتغاضي عن أسباب أي خلافات سياسية عابرة يمكن تجاوزها بالحوار في الوقت المناسب لذلك.
كان من المفترض ألا يكون معنى العدو مختلفاً عليه، ولا موضع اختبار في هذه المرحلة الحساسة، وأن يكون معلوماً وواضحاً بالضرورة، لكننا مطالبون دوماً بأن ندفع ثمن تمزق أوصال العمل العربي المشترك وغياب الرؤية الجماعية، سواء بتراكم تدخلات خارجية، أو بأفعال بعض أعضاء الجسد العربي التي سمحت بالارتهان الكامل لهذه التدخلات أو بناء تصرفاته عليها، حتى بلغنا هذه المرحلة من الانقسام.
وليس أحد بحاجة إلى التذكير بأن البيت التنظيمي الكبير، أي جامعة الدول العربية، خارج النقاش منذ زمن، وربما يكون أمرها انتهى تماماً في يقين البعض، ومصيرها أو بديلها لا يستحق الآن أي جزء من الاهتمام المنصرف إلى ما هو أخطر، وفي قلبه عدم الوعي بكنه العدو.
وباستثناء من باعوا أنفسهم للشيطان، لا حاجة للتطرف بالقول إن من بين الأشقاء عدواً، فالإيمان بذلك أخطر، ويمكن قبول أن فيهم حاسداً أو شامتاً، لكن الوقوف عند ذلك، على أهميته، ليس أولوية.
الأولوية القصوى للاتفاق على معنى العدو، وهو يفصح عن نفسه بسفور لا يتطلب مشقة في تحديده. والعدو الراهن في الواقع الخليجي هو إيران، حددته بوضوح مبكر القيادة الإماراتية، وتهديداته اليومية لا تمس الحاضر، فالخوف أكبر من مستقبلها.
ومن الملح أيضاً الوعي بأن الأمر يحتمل تعدد الأعداء، بمن فيهم الخارجون من بين أصلابنا، لكن ترتيب الأولويات ينظّم جهود المواجهة وينسّقها.
يمكن فهم تمسك البعض في منطقة جغرافية عربية بأبدية العداء مع إسرائيل، لكن الاكتفاء بذلك إلى درجة التعامي عن العدو الإيراني، والتهوين من خطره إلى حد تكبيل من يواجهه في منطقة الخليج هو، مرة أخرى، من أقسى إفرازات اللحظة، وأبعدها أثراً على الواقع العربي.

[email protected]