المحامي محمد علي الحمادي

يمثل دستور جمهورية إيران الإسلامية وثيقة سياسية وعقائدية فريدة، صيغت في أعقاب ثورة عام 1979، يعكس هذا الدستور محاولة طموحة لدمج مفاهيم الدولة الحديثة ومؤسساتها مع الرؤية الدينية الراديكالية، ومع ذلك، وبقراءة نقدية متفحصة لمواده، يبرز الدستور كوثيقة مثقلة بالتناقضات الهيكلية العميقة، حيث يحاول التوفيق بين نموذج «الجمهورية» القائم على سيادة الشعب، ونظام «الثيوقراطية» المطلقة المتمثل في «ولاية الفقيه»، ما يفرغ المبادئ الديمقراطية من مضمونها لصالح سلطة دينية مطلقة.

* وهم السيادة الشعبية وتغول المؤسسات غير المنتخبة:

ينص الدستور نظرياً على أن نظام الحكم في إيران جمهوري، وأن الشعب يمارس حقه الإلهي في تقرير مصيره من خلال الانتخابات، لكن هذا المبدأ الديمقراطي يُنسف بشكل هيكلي عبر تقييده بمؤسسة «ولاية الفقيه العادل»، فقد نص الدستور صراحة على أن السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) تعمل تحت إشراف «ولي الأمر المطلق وإمام الأمة»، وهو «القائد» الذي يتمتع بصلاحيات مهيمنة.

* تركيز السلطة وانهيار مبدأ الفصل بين السلطات:

على الرغم من أن المادة 57 تنص على استقلال السلطات الحاكمة بعضها عن بعض إلا أن الدستور ينسف هذا الاستقلال بمنح «القائد» سلطات مطلقة تجعله حاكماً أوحدَ يتجاوز السلطات الثلاث، فالقائد هو من يرسم السياسات العامة للنظام، ويقود القوات المسلحة، ويعلن الحرب والسلام، ويعين ويعزل كبار المسؤولين بما في ذلك رئيس السلطة القضائية ورئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، بل يمتد نفوذه إلى السلطة التنفيذية عبر امتلاكه صلاحية توقيع مرسوم تنصيب رئيس الجمهورية المنتخب، وصلاحية عزله كلياً متى ما اقتضت مصالح البلاد ذلك، هذا التركز المفرط للسلطة يقضي على أي استقلالية أو توازن حقيقي بين السلطات.

* حريات مشروطة وتمييز مؤسسي:

يمنح الدستور مساحة واسعة للحريات نظرياً، مثل حرية الصحافة والمطبوعات، وحرية الأحزاب، وعقد الاجتماعات، لكنه يفرغ هذه الحريات من قيمتها كحقوق مطلقة عبر ربطها دائماً بشرط استثنائي فضفاض وهو «عدم الإخلال بالقواعد والموازين الإسلامية». وبما أن «مجلس صيانة الدستور» هو الجهة الحصرية المخولة بتشخيص وتفسير هذه الموازين، تصبح الحريات الدستورية منحة خاضعة لأهواء وتفسيرات المؤسسة الدينية، وليست حقوقاً راسخة للمواطنين.

* أيديولوجيا تصدير الثورة والنزعة التوسعية:

لا ينحصر الدستور الإيراني في تنظيم إدارة الدولة داخلياً، بل يقدم نفسه كوثيقة لتأسيس حركة ثورية عابرة للحدود، تهدف إلى بناء «الأمة الواحدة» في العالم ونصرة جميع المستضعفين ضد المستكبرين، هذه النزعة التوسعية تتجلى بخطورة بالغة في تحديد مهام وعقيدة القوات المسلحة (الجيش وقوات حرس الثورة الإسلامية)، حيث ينص الدستور على أن هذه القوات لا تلتزم بمسؤولية حماية الحدود فحسب، بل تحمل أعباء رسالة إلهية تتمثل في «الجهاد في سبيل الله، والنضال لبسط حاكمية القانون الإلهي في العالم». وعلى الرغم من وجود نصوص دبلوماسية تنفي التدخل في شؤون الدول الأخرى، إلا أن البنية العقائدية للمؤسسات الصلبة تجعل من تصدير الثورة والتمدد الأيديولوجي والسياسي جوهراً أساسياً وغاية دستورية كبرى.

* احتكار مقدرات الدولة وخنق الاقتصاد الحر:

تكشف القراءة المتفحصة للفصل الاقتصادي في الدستور الإيراني عن نهج شمولي يخنق حرية السوق ويقوض استقلالية المجتمع. ففي الوقت الذي تتجه فيه الدول الناجحة نحو الاقتصاد الحر وتمكين القطاع الخاص لتحقيق التنمية، نجد أن الدستور الإيراني في المادة 44 يفرض هيمنة مطلقة للدولة على كافة مفاصل الثروة؛ حيث حصر ملكية «الصناعات الكبرى، والتجارة الخارجية، والمناجم، والمصارف، والطاقة، والاتصالات، والنقل» بيد القطاع الحكومي بصفة حصرية. هذا الاحتكار الدستوري الشامل لا يعكس سوى رغبة النظام في إحكام قبضته على مقدرات البلاد، ومنع تشكل أي قطاع خاص قوي أو طبقة وسطى مستقلة قد تمتلك النفوذ المالي لتحدي السلطة السياسية والدينية المطلقة، مما جعل الاقتصاد الإيراني اقتصاداً موجهاً ومقيداً بقبضة الدولة.

يكشف النقد الموضوعي لدستور جمهورية إيران الإسلامية عن وثيقة صُممت لتكريس السلطة المطلقة تحت غطاء إلهي، مستخدمة واجهة «الجمهورية» ومؤسساتها الحديثة كأدوات لتمرير وإضفاء الشرعية على حكم نخبوي ثيوقراطي، إنه دستور يسلب الشعب سيادته الحقيقية لصالح مؤسسات وصاية دينية، ويقيد الحريات المدنية بشروط مطاطية، ويؤسس لمشروع سياسي توسعي يهدد استقرار الإقليم؛ مما يجعله في جوهره دستوراً لحركة أيديولوجية مستمرة تبحث عن الهيمنة، وليس دستوراً لدولة وطنية تستمد شرعيتها من إرادة مواطنيها الحرة.