ليست الحروب وحدها ما يغيّر سلوك الدول، بل الإطار القانوني الذي يعرّف دورها في النظام الدولي. والتاريخ الحديث يقدّم مثالاً واضحاً: اليابان لم تتحول إلى قوة اقتصادية مستقرة بمجرد هزيمتها العسكرية، بل عندما أعادت صياغة دستورها، وأعادت معه تعريف وظيفة الدولة، وحدود استخدام القوة. هذه اللحظة الدستورية، لا لحظة وقف إطلاق النار، هي التي صنعت التحول الحقيقي.
من هنا، تبدو المقارنة مع الحالة الإيرانية ذات دلالة، لكن بشرط فهمها في سياقها الصحيح. فكما أوضحنا في مقالٍ سابق فكّكنا فيه التناقضات الهيكلية العميقة للدستور الإيراني من الداخل، نجد أن المشكلة في إيران لا ترتبط فقط بالسياسات أو الأدوات، بل بجذور دستورية، تعكس تصوراً لدور الدولة، يتجاوز حدودها الوطنية. فالدستور الإيراني، في ديباجته وبعض مواده، يتضمن إشارات واضحة إلى استمرار الثورة، ودعم قضايا خارجية بوصفها جزءاً من هوية النظام. وعندما تتحول هذه الرؤية إلى نص دستوري، فإنها تصبح جزءاً من بنية الدولة، لا مجرد خيار سياسي قابل للتبديل.
وهنا يكمن الفارق بين إنهاء التوتر العسكري، وإنهاء أسبابه البنيوية. فقد تُفضي أي مواجهة إلى ترتيبات أمنية مؤقتة أو تفاهمات مرحلية، لكن من دون مراجعة الأساس الدستوري الذي يوجّه سلوك الدولة، تبقى احتمالات إعادة إنتاج التوتر قائمة. التجربة اليابانية تقدم درساً واضحاً: التحول لم يكن نزع سلاح فحسب، بل إعادة تعريف الدولة، باعتبارها دولة تنمية واستقرار، لا دولة توسع عسكري.
اليابان بعد الحرب أعادت صياغة علاقتها بالقوة من خلال نص دستوري يقيّد استخدام القوة العسكرية، ويعيد مركز الثقل إلى الاقتصاد والمؤسسات المدنية. هذا التغيير لم يأتِ كإجراء تقني، بل كتحول في فلسفة الدولة نفسها. ومن هنا نشأ نموذج «اليابان الجديدة» الذي قام على التنمية والانفتاح والشراكات الدولية.
في الحالة الإيرانية، يطرح هذا الدرس سؤالاً محورياً: هل يمكن تحقيق تحول مماثل من دون تعديل الإطار الدستوري الذي يحدد هوية الدولة وأولوياتها؟ الإجابة تبدو معقدة، لأن أي تحول مستدام يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الأمن والتنمية، وبين النفوذ الخارجي والاستقرار الداخلي. هذه المعادلة لا تُحسم بالوسائل العسكرية وحدها، بل تُترجم في نصوص دستورية تحدد الاتجاه العام للدولة.
لذلك، فإن أي مقاربة تبحث في مستقبل إيران بعد أي مواجهة محتملة تحتاج إلى تجاوز فكرة «إنهاء التهديد العسكري» إلى فكرة أعمق: إعادة بناء الأساس القانوني الذي يوجّه سلوك الدولة. فالتاريخ يبين أن التغييرات التي تُفرض على القدرات العسكرية من دون مراجعة الإطار الدستوري تبقى مؤقتة، بينما التغييرات التي تمس تعريف الدولة نفسها، تكون أكثر استدامة.
المقارنة مع اليابان لا تعني استنساخ التجربة، فالسياقات مختلفة، لكن الفكرة الجوهرية واحدة: السلام المستدام يرتبط بتعديل الفلسفة الدستورية التي تنتج الصراع. اليابان انتقلت من دولة ترتكز على القوة العسكرية، إلى دولة ترتكز على التنمية، لأن دستورها الجديد أعاد ترتيب الأولويات. وأي تحول إيراني محتمل، إذا أريد له أن يكون عميقاً ومستداماً، سيكون بحاجة إلى مراجعة مشابهة تعيد تعريف دور الدولة في محيطها الإقليمي والدولي.
وخلاصة القول، إن الحروب قد تفرض وقائع ميدانية جديدة، لكنها لا تغيّر وحدها هوية الدول ولا تصنع استقراراً مستداماً، التحول الحقيقي يبدأ عندما يُعاد تعريف وظيفة الدولة، في نصها الدستوري، فالتجربة اليابانية تؤكد أن الطريق إلى الاستقرار يمر عبر إعادة صياغة العقد الدستوري، لا الاكتفاء بترتيبات أمنية مؤقتة ومن هذا المنظور، فإن أي نقاش حول مستقبل إيران لا يكتمل دون إدراك أن الاستقرار المستدام، يرتبط بتغيير الأساس القانوني الذي يحدد اتجاه الدولة، لا بمجرد إنهاء المواجهة العسكرية.
المحامي محمد علي الحمادي
يمثل دستور جمهورية إيران الإسلامية وثيقة سياسية وعقائدية فريدة، صيغت في أعقاب ثورة عام 1979، يعكس هذا الدستور محاولة طموحة لدمج مفاهيم الدولة الحديثة ومؤسساتها مع الرؤية الدينية الراديكالية، ومع ذلك، وبقراءة نقدية متفحصة لمواده، يبرز الدستور كوثيقة مثقلة بالتناقضات الهيكلية العميقة، حيث يحاول التوفيق بين نموذج «الجمهورية» القائم على سيادة الشعب، ونظام «الثيوقراطية» المطلقة المتمثل في «ولاية الفقيه»، ما يفرغ المبادئ الديمقراطية من مضمونها لصالح سلطة دينية مطلقة.
ينص الدستور نظرياً على أن نظام الحكم في إيران جمهوري، وأن الشعب يمارس حقه الإلهي في تقرير مصيره من خلال الانتخابات، لكن هذا المبدأ الديمقراطي يُنسف بشكل هيكلي عبر تقييده بمؤسسة «ولاية الفقيه العادل»، فقد نص الدستور صراحة على أن السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية) تعمل تحت إشراف «ولي الأمر المطلق وإمام الأمة»، وهو «القائد» الذي يتمتع بصلاحيات مهيمنة.
على الرغم من أن المادة 57 تنص على استقلال السلطات الحاكمة بعضها عن بعض إلا أن الدستور ينسف هذا الاستقلال بمنح «القائد» سلطات مطلقة تجعله حاكماً أوحدَ يتجاوز السلطات الثلاث، فالقائد هو من يرسم السياسات العامة للنظام، ويقود القوات المسلحة، ويعلن الحرب والسلام، ويعين ويعزل كبار المسؤولين بما في ذلك رئيس السلطة القضائية ورئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، بل يمتد نفوذه إلى السلطة التنفيذية عبر امتلاكه صلاحية توقيع مرسوم تنصيب رئيس الجمهورية المنتخب، وصلاحية عزله كلياً متى ما اقتضت مصالح البلاد ذلك، هذا التركز المفرط للسلطة يقضي على أي استقلالية أو توازن حقيقي بين السلطات.
يمنح الدستور مساحة واسعة للحريات نظرياً، مثل حرية الصحافة والمطبوعات، وحرية الأحزاب، وعقد الاجتماعات، لكنه يفرغ هذه الحريات من قيمتها كحقوق مطلقة عبر ربطها دائماً بشرط استثنائي فضفاض وهو «عدم الإخلال بالقواعد والموازين الإسلامية». وبما أن «مجلس صيانة الدستور» هو الجهة الحصرية المخولة بتشخيص وتفسير هذه الموازين، تصبح الحريات الدستورية منحة خاضعة لأهواء وتفسيرات المؤسسة الدينية، وليست حقوقاً راسخة للمواطنين.
لا ينحصر الدستور الإيراني في تنظيم إدارة الدولة داخلياً، بل يقدم نفسه كوثيقة لتأسيس حركة ثورية عابرة للحدود، تهدف إلى بناء «الأمة الواحدة» في العالم ونصرة جميع المستضعفين ضد المستكبرين، هذه النزعة التوسعية تتجلى بخطورة بالغة في تحديد مهام وعقيدة القوات المسلحة (الجيش وقوات حرس الثورة الإسلامية)، حيث ينص الدستور على أن هذه القوات لا تلتزم بمسؤولية حماية الحدود فحسب، بل تحمل أعباء رسالة إلهية تتمثل في «الجهاد في سبيل الله، والنضال لبسط حاكمية القانون الإلهي في العالم». وعلى الرغم من وجود نصوص دبلوماسية تنفي التدخل في شؤون الدول الأخرى، إلا أن البنية العقائدية للمؤسسات الصلبة تجعل من تصدير الثورة والتمدد الأيديولوجي والسياسي جوهراً أساسياً وغاية دستورية كبرى.
تكشف القراءة المتفحصة للفصل الاقتصادي في الدستور الإيراني عن نهج شمولي يخنق حرية السوق ويقوض استقلالية المجتمع. ففي الوقت الذي تتجه فيه الدول الناجحة نحو الاقتصاد الحر وتمكين القطاع الخاص لتحقيق التنمية، نجد أن الدستور الإيراني في المادة 44 يفرض هيمنة مطلقة للدولة على كافة مفاصل الثروة؛ حيث حصر ملكية «الصناعات الكبرى، والتجارة الخارجية، والمناجم، والمصارف، والطاقة، والاتصالات، والنقل» بيد القطاع الحكومي بصفة حصرية. هذا الاحتكار الدستوري الشامل لا يعكس سوى رغبة النظام في إحكام قبضته على مقدرات البلاد، ومنع تشكل أي قطاع خاص قوي أو طبقة وسطى مستقلة قد تمتلك النفوذ المالي لتحدي السلطة السياسية والدينية المطلقة، مما جعل الاقتصاد الإيراني اقتصاداً موجهاً ومقيداً بقبضة الدولة.
يكشف النقد الموضوعي لدستور جمهورية إيران الإسلامية عن وثيقة صُممت لتكريس السلطة المطلقة تحت غطاء إلهي، مستخدمة واجهة «الجمهورية» ومؤسساتها الحديثة كأدوات لتمرير وإضفاء الشرعية على حكم نخبوي ثيوقراطي، إنه دستور يسلب الشعب سيادته الحقيقية لصالح مؤسسات وصاية دينية، ويقيد الحريات المدنية بشروط مطاطية، ويؤسس لمشروع سياسي توسعي يهدد استقرار الإقليم؛ مما يجعله في جوهره دستوراً لحركة أيديولوجية مستمرة تبحث عن الهيمنة، وليس دستوراً لدولة وطنية تستمد شرعيتها من إرادة مواطنيها الحرة.
إغلاق الممرات البحرية الاستراتيجية يُعد من أكثر الأدوات حساسية في العلاقات الدولية، لأن أثره يتجاوز الإطار السياسي ليطال بنية النظام الاقتصادي العالمي. وفي هذا السياق، فإن خطوة إيران بإغلاق مضيق هرمز تُقرأ قانونياً باعتبارها إجراءً يمس أحد أهم الممرات المستخدمة للملاحة الدولية، وهو ما يضعها ضمن نطاق القواعد التي تحكم حرية المرور العابر المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.
القانون الدولي لا ينفي سيادة الدول الساحلية على مياهها الإقليمية، لكنه يقيّد هذه السيادة عندما يتعلق الأمر بالمضائق الدولية. فهذه الممرات تخضع لنظام خاص يهدف إلى ضمان استمرار الملاحة وعدم تعطيل حركة التجارة العالمية.
ومن هذا المنظور، فإن إغلاق المضيق لا يُعد مجرد موقف سياسي، بل خطوة تحمل أبعاداً قانونية قد تُفسَّر على أنها تقييد لحق جماعي مكفول للمجتمع الدولي.
كما أن استخدام الممرات البحرية أداة ضغط يفتح باباً لتدويل الأزمات، لأن الدول المتضررة تستند إلى قواعد قانونية تتيح لها المطالبة بضمان حرية الملاحة. وهذا ما يفسر سرعة التحركات الدولية في مثل هذه الحالات، حيث يصبح الهدف ليس فقط احتواء التصعيد، بل حماية مبدأ قانوني مستقر يتعلق بأمن البحار.
في المقابل، تدرك الدول أن اللجوء إلى إغلاق المضائق يحمل مخاطر قانونية وسياسية متداخلة، إذ قد يؤدي إلى تبرير تحركات جماعية تحت مظلة حماية الملاحة الدولية. وهنا يتحول النزاع من مستوى ثنائي إلى قضية تمس النظام الدولي ككل.
الخلاصة أن خطوة إغلاق المضيق، في ميزان القانون الدولي، تتجاوز كونها أداة ضغط ظرفية، لتصبح اختباراً لمدى الالتزام بقواعد حرية الملاحة.
وكلما طالت مدة الإغلاق، زادت احتمالات انتقال الأزمة من خلاف سياسي إلى مسألة قانونية دولية تتطلب معالجة جماعية لضمان استقرار الممرات البحرية.
يوم العزم ليس مناسبة عابرة في الذاكرة الوطنية، بل محطة وعي نستحضر فيها جوهر الدولة الإماراتية القائم على الثبات، ووحدة الصف، والجاهزية الدائمة لحماية السيادة وصون المكتسبات.
هو يوم تتجسد فيه معاني الالتفاف حول القيادة، واليقين بأن ما تحقق من منجزات لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية واضحة وإرادة لا تلين.
في يوم العزم، يتأكد للجميع أن قوة الإمارات لا تُقاس بما تمتلكه من إمكانات فقط، بل بما يتمتع به مجتمعها من وعي ومسؤولية، وبما رسخته قيادتها من ثقافة الاستعداد والعمل المؤسسي والتكامل بين مختلف قطاعات الدولة. فالعزم هنا ليس ردّ فعل، بل نهج ثابت في إدارة الأزمات، والتعامل مع التحديات بثقة واتزان.
وهذا اليوم رسالة وطنية عميقة مفادها بأن الأمن والاستقرار ركيزتان لا تنفصلان عن التنمية، وحماية الوطن مسؤولية مشتركة، تبدأ من الوعي وتنتهي بالفعل.
كما يعكس يوم العزم إدراك الدولة بأن بناء الإنسان الواعي، المتمسك بقيمه وهويته، هو خط الدفاع الأول عن الحاضر والمستقبل.
إن استحضار يوم العزم تأكيد على أن الإمارات، قيادةً وشعباً، قادرة على مواجهة المتغيرات مهما تعاظمت، بعقلية مؤسسية، وروح وطنية، وإيمان راسخ بأن التحديات لا تُضعف الأوطان المتماسكة، بل تزيدها قوة وصلابة.
ويوم العزم يجدد في النفوس العهد على المضي قدماً في مسيرة البناء والتنمية، بثقة لا تهتز، وإرادة لا تنكسر، ليبقى هذا الوطن نموذجاً في الاستقرار، ومثالاً في الحكمة، وعنواناً لعزم لا يعرف التراجع.
* عضو المجلس الاستشاري لإمارة الشارقةمحمد
من يتأمل في حديث قرينة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، رئيسة مجلس الشارقة للأسرة والمجتمع، في منتدى الاتصال الحكومي 2025، يدرك أننا أمام تجربة إنسانية واجتماعية استثنائية تتجاوز حدود دورها كزوجة حاكم أو أم لأبناء، لتشكل نموذجاً راسخاً في العمل المجتمعي والإنساني.
ففي الجلسة الحوارية التي حملت عنوان «من وعي الأسرة إلى تكافل المجتمع» خلال فعاليات الدورة ال 14 من المنتدى، لم يكن حديث سموها مجرد استرجاع لمسيرة شخصية، بل كان منارة وخريطة طريق تعكس فلسفة متكاملة في كيفية بناء الإنسان والمجتمع على أسس من القيم والهوية الأصيلة.
فمسيرة سموّها انطلقت عبر إنشاء نادي المنتزه للفتيات، الذي تحوّل بفضل رؤية سموّها ودعم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وتوجيهاته السامية إلى بيئة حاضنة ومثالية لاكتشاف مهارات الفتيات وصقل مواهبهن، حتى أصبح مصنعاً للقائدات في مختلف المجالات.
هذا النموذج يذكرنا أن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر أو البنى التحتية فحسب، بل في الإنسان الذي يصنع النهضة، والأجمل أن سموّها لم تُخفِ في كلمتها التحديات، التي كانت تواجه المرأة وفي مقدمتها كسب ثقة المجتمع المحافظ آنذاك، لتؤكد أن التغيير لا يأتي بسهولة لكنه ممكن بالعمل والوعي.
حين تحدثت سموّها عن مشروع «ربع قرن»، بما يضمّه من 31 مركزاً و30 ألف منتسب، فقد لخصت سموّها رؤيتها بأن تعليم الأطفال وحده لا يكفي، فهو يحتاج إلى أنشطة غير صفية تسهم في توسيع مداركهم ورفع معدلات الوعي لديهم.
تجربة سموّ الشيخة جواهر لم تتوقف عند حدود الشارقة أو الإمارات، بل عبرت إلى الإنسانية جمعاء من خلال حملة «القلب الكبير»، لتقدم من خلالها نموذجاً إنسانياً ورسالة مفادها أن أطفال العالم هم أطفالنا.
ما يثير الإعجاب في كلمة سموّها أنها لم تكتفِ بتقديم التوجيهات والدعم المادي، بل كانت حاضرة ميدانياً في مخيّم الزعتري في المملكة الأردنية الهاشمية، وبرنامج نور لدعم الأطفال الأيتام في غزة، وبناء مدرسة ثانوية للفتيات اللاجئات في كينيا، حاملة لقب «المناصرة البارزة للأطفال اللاجئين» كأول شخصية في تاريخ المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
هنا يلتقي القول بالفعل، وتترسخ صورة القائدة الإنسانية التي لا تكتفي بالخطاب بل تصنع الأثر.. وفي ظل عالم مضطرب، حافل بالحروب والأزمات والكوارث، تصبح المبادرات الإنسانية والجهود التي تطلقها سموّها ضرورة، تذكّرنا بأن العطاء ليس ترفاً ولا عملاً موسمياً، بل واجب أخلاقي وإنساني.
وفي الختام فإن رسالة سموها يمكن اختصارها بأن ما تحتاج إليه مجتمعاتنا اليوم ليس فقط المزيد من المؤسسات أو البرامج، بل الرؤية التي تجعل هذه المؤسسات امتداداً لحاجات الناس الفعلية.
ويبقى الأثر الأجمل في هذا الخطاب أنه دعوة مفتوحة لكل فرد لتثقيف نفسه، حتى يتحمل مسؤوليته كأبٍ أو أمّ، فضلاً عن المشاركة في تكوين جيل لا يعيش فقط في حدود وطنه، بل يحمل رسالة إنسانية للعالم.
محمد علي جابر الحمادي*
إنّ الثوابتَ التاريخيةَ الراسخةَ التي عبّرت عنها القيادةُ السياسيةُ في دولةِ الإماراتِ العربيةِ المتحدة، خلال مختلفِ اللقاءاتِ والاجتماعاتِ مع قادةِ العالم، تجاهَ تعزيزِ السلامِ والعدالةِ وصَونِ حقوقِ الشعبِ الفلسطينيّ الشقيق، تَنبعُ من إيمانٍ عميقٍ لدى قيادتِها الرشيدة بضرورةِ رفعِ المعاناة عن الأشقاءِ الفلسطينيين واحترامِ قراراتِ الشرعيةِ الدولية وتمكينِ الشعبِ الفلسطينيّ من إقامةِ دولتِه المستقلةِ ذاتِ السيادة.
ولا يخفى أنّ الحديثَ عن المواقفِ الإماراتيةِ الثابتةِ في دعمِ القضيةِ الفلسطينيةِ سياسياً ومادياً وإنسانياً، لا يمكن حصرُه في هذه العجالة، إذ إنّ صفحاتِ التاريخِ قد سطّرت مواقفَ وإنجازاتِ دولةِ الإماراتِ، منذُ تأسيسِها على يدِ القائدِ المؤسسِ المغفورِ له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه وحتى يومنا هذا، حيث شكَّلت القضيةُ الفلسطينيةُ محوراً رئيساً في السياسةِ الخارجيةِ للدولة، ومنهجاً ثابتاً في دعمِ الحقوقِ المشروعةِ للشعبِ الفلسطينيّ.
ومع بدءِ التصعيدِ العسكريّ الإسرائيليّ في أكتوبر من عام 2023، كثّفت دولةُ الإماراتِ جهودَها الإغاثيةَ والإنسانيةَ لدعمِ أهالي قطاعِ غزة، من خلالِ إطلاقِ سلسلةٍ من المبادراتِ النوعية، بدءاً بحملةِ «تراحم من أجل غزة»، ثم عملية «الفارس الشهم 3»، التي انبثقت عنها مساهماتٌ ميدانيةٌ واسعةٌ شملت تسيير جسورٍ جويةٍ وبحريةٍ وبريةٍ لنقلِ المساعداتِ الغذائيةِ والطبيةِ، إلى جانبِ إنشاءِ المستشفياتِ ومحطّاتِ تحليةِ المياهِ والأفرانِ وغيرها من المشاريعِ الداعمةِ لصمودِ الشعبِ الفلسطينيّ.
وقد عبّر المغفورُ له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، عن هذا الموقفِ الثابتِ في مناسباتٍ عدة، حين قال: «إن القضية الفلسطينية قضية العرب جميعاً وموقفنا منها نابع من التزامنا القومي والديني والإنساني» وفي السياقِ ذاته، جاءت تدوينةُ سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، عبر منصة «إكس»، لتؤكّد استمرارَ الجهودِ الإغاثيةِ لدولةِ الإماراتِ رغمَ التحدياتِ والصعوباتِ التي تفرضُها العملياتُ القتالية، مشدّداً على أنّ إيصالَ المساعداتِ المنقذةِ للحياةِ، بمختلفِ الوسائلِ والآلياتِ، يُعدّ أولويةً قصوى لا تقبلُ التراخي أو التأجيل، في ظل أوضاعٍ إنسانيةٍ متفاقمة ونقص حادٍّ في مقوّماتِ الحياةِ الأساسية.
وتُجسّد هذه التدوينةُ تأكيداً جديداً على التزام دولة الإماراتِ العربيةِ المتحدة، عبرَ أذرُعها الإنسانيةِ ومبادراتِها الميدانية، بمواصلةِ تنفيذِ عملياتِ الإنزالِ الجويّ والبحريّ للمساعداتِ الغذائيةِ والطبية، دعماً للمتضرّرين في قطاعِ غزة، وترسيخاً للموقفِ الإماراتيّ الثابتِ تجاهَ القضيةِ الفلسطينية، واستمراراً لجهودِ الدولةِ في دعمِ الحقوقِ المشروعةِ للشعبِ الفلسطينيّ، والمساهمة في تحقيقِ سلامٍ عادل وشامل يَكفلُ قيام دولتِه المستقلة على ترابهِ الوطنيّ.
وتؤكِّد تلك الجهود البارزة مواصلة دولةُ الإماراتِ العربيةِ المتحدةُ دورَها الرياديَّ في المحافلِ الدوليةِ للدفاعِ عن حقوقِ الشعبِ الفلسطيني والذي لا يخفى على أحد من خلالِ الحراكِ الدبلوماسيّ النشطِ في مجلسِ الأمنِ الدوليّ والجمعيةِ العامة للأممِ المتحدةِ ومجلسِ حقوقِ الإنسانِ، حيثُ ما فتئت تؤكّد على ضرورة الوقف الفوريّ لإطلاق النار وتوفيرِ الحمايةِ الدوليةِ للمدنيين ورفعِ الحصارِ عن قطاعِ غزة، إلى جانبِ الدعوةِ المستمرةِ لإحياءِ مسارِ السلامِ العادلِ والشاملِ استناداً إلى قراراتِ الشرعيةِ الدولية ومبادرةِ السلامِ العربية.
حيث تأتي مشاركة الإمارات الفاعلة في جلسات مجلس الأمن ومنظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية، امتداداً لمسار دبلوماسي نشط، هدفه التصدي للانتهاكات ضد الشعب الفلسطيني والدفع نحو وقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات وتهيئة الظروف الملائمة لإطلاق عملية سلام عادلة وشاملة تُفضي إلى حل الدولتين وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.
وقد حرصت القيادة الإماراتية على توجيهِ الجهودِ نحوَ تعزيزِ العملِ المشتركِ مع الوكالاتِ الإنسانيةِ الأمميةِ كالأونروا وبرنامجِ الغذاء العالميّ، وتقديمِ الدعمِ المالي المستدامِ لضمانِ استمراريةِ خدماتِ الإغاثة والتعليمِ والرعايةِ الصحيةِ في الأراضي الفلسطينية وتواكبُ الجهودَ الإنسانيةَ على الأرض. تحركاتٌ سياسيةٌ مكثّفةٌ تقودها الدولة عبر وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية، لتأمين الاستجابة الدولية السريعة لمعاناة الفلسطينيين والتأكيد على أهمية احترام المواثيق والاتفاقيات الدولية التي تضمن حماية المدنيين وحقهم في الحياة الكريمة والعيش بأمان وتُعدُّ هذه المقاربةُ الثنائية، الإنسانية والدبلوماسية، نهجاً فريداً تتفرّد به الإمارات، يجمعُ بين الإغاثةِ العاجلةِ والرؤيةِ السياسيةِ طويلة الأمد.
ولا يمكن إغفال الدورِ الكبيرِ الذي تقومُ به المؤسساتُ الإعلاميةُ والثقافيةُ في دولةِ الإماراتِ في إبرازِ معاناةِ الشعبِ الفلسطينيّ والدفاعِ عن قضيتهِ العادلة، من خلالِ منصّاتِها المختلفةِ، ما يعكسُ وعياً مجتمعياً متجذراً تجاهَ القضايا العادلةِ وعلى رأسِها القضية الفلسطينية، ويجسّدُ تلاحمَ القيادةِ والشعبِ في نصرة الحقوقِ الإنسانيةِ والمبادئِ الأخلاقيةِ والمواثيقِ الدوليةِ.
وتسعى هذه المبادرات والمواقف إلى ترسيخ صورة دولة الإمارات كنموذج عالمي في التضامن مع الشعوب المظلومة وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، حيث يُمثّل هذا الدعم إحدى ركائز السياسة الإماراتية، المستندة إلى إرثٍ تاريخيّ أصيل أرساه الآباءُ المؤسسون ويتجدد كل يوم بإرادةِ قيادة تؤمن بأنّ القيم الإنسانية لا تتجزّأ وبأنّ الوقوف إلى جانب المظلومين واجبٌ أخلاقيٌّ لا يقبلُ المساومة.
وبهذا النهجِ المتكامل، تؤكدُ دولةُ الإماراتِ العربيةِ المتحدةُ، قيادةً وشعباً، التزامَها التاريخيّ والمبدئيَّ والثابتَ تجاهَ نصرةِ الشعبِ الفلسطينيّ، ودعمِ نضالهِ المشروعِ لنيلِ حقوقهِ غيرِ القابلةِ للتصرف وتحقيق حلمِه في بناءِ دولتِه المستقلةِ بعاصمتها القدس الشرقية، بما يرسّخ السلامَ والاستقرارَ في المنطقةِ ويعكس المكانةَ الإنسانيةَ والقياديةَ لدولةِ الإماراتِ على الصعيدِين الإقليمي والدولي.
* عضو المجلس الاستشاري لإمارة الشارقة