د. عمرو منصور*
ما إن نشبت الحرب، حتى قصفت ايران في اعتداء غاشم دول الخليج العربية تحت مزاعم كاذبة، في لحظة كان الأولى فيها أن تتمسك بالسلم مع جيرانها الذين لهم أياد بيضاء على اقتصادها، وأظهروا منذ عام 2022 نواياهم الحسنة لرأب الصدع بين الجانبين بعد سنوات من القطيعة والسلام البارد.
إيران التي كانت عُزلت سياسياً لسنوات من قبل الأشقاء الخليجيين في أعقاب اقتحام سفارة المملكة العربية السعودية في طهران عام 2016، سنحت لها فرصة ذهبية مع قبول أبوظبي لطي صفحة الخلافات واستجابة الرياض لوساطة بكين أملاً في تغيير طهران سلوكها العدائي، ومن ثم تعددت المباحثات واللقاءات وسط ترقب خليجي حذر بشأن إمكانية بدء المنطقة مرحلة من الهدوء السياسي مغلفة بوعود النظام الإيراني في الالتزام بحسن الجوار.
ومع اندلاع الشرارة الأولى للمواجهة الراهنة، نكثت طهران بوعودها كافة، ولم يسلم من أذاها أي طرف خليجي حتى من كان على وفاق نسبي معها، بل وشمل الأذى دولاً أخرى في مقدمتها الأردن وتركيا، فبات التساؤل هل يدرك النظام الإيراني -أو بمعنى أدق ما تبقى منه- الخطورة الاستراتيجية لهذه الاعتداءات وتداعيات إفساد ترميم العلاقات مع الإمارات والسعودية اللتين استهدفهما بالعدد الأكبر من هجماته؟، وأي نصر هذا الكامن وراء قصف المنشآت السياحية والمطارات واستعداء المحيط الإقليمي والإطاحة بدعوات العمل لتحقيق الأمن المشترك؟
تشير المعطيات الميدانية أن خلفاء خامنئي قرروا استهداف الآمنين هرباً من مأزق الضربات الأمريكية عسى أن تضغط الدول الخليجية على الولايات المتحدة لوقفها أو تنجّر لتصبح طرفاً في الأزمة فيتسع نطاق الصراع، وهو ما سيدفع لتدخلات دولية لانهائه نظراً للأهمية الجيواقتصادية لدول الخليج العربية، ومن جهة أخرى سعى جنرالات الحرس الثوري لتسويق جرائمهم للداخل الإيراني باعتبارها – بحسب أكاذيبهم- انتقاماً ممن يدعمون الولايات المتحدة.
بالمقابل، حافظت دول الخليج رغم قدراتها العسكرية واللوجستية وشبكة تحالفاتها على الالتزام بأقصى درجات ضبط النفس رافضة الانجرار للفخ الإيراني حفاظاً على ما شيدته خلال عقود من نهضة حضارية وازدهار اقتصادي واستقرار سياسي، لكن مع توجيه رسائل واضحة بأن استهدافها جريمة والاغترار بصبرها حماقة، وأنه لا سقف يعلو سقف الحفاظ على أمنها وسيادتها.
واقع الحال ينذر على الأرجح بانعدام الأمل في استماع النظام الإيراني لصوت العقل، فرغم تبدل القادة السياسيين والعسكريين قسراً، لكن يظل القاسم المشترك بينهم حتى الآن مواصلة العدوان، ما يجعل الرهان الخليجي مرتكزاً بالأساس على القدرات الدفاعية الوطنية لصده، وحشد الإرادات السياسية الإقليمية والدولية الداعمة لوقف هذه الجرائم، بعدما أهدرت طهران الفرصة الثمينة لإصلاح ما أفسدته من علاقات.
وبغض النظر عما ستؤول إليه المعارك الدائرة، فالمؤكد أن إيران أعادت الوضع إلى نقطة الصفر وأفقدت جيرانها الخليجيين الثقة فيها وهو ما ستدفع ثمنه باهظاً استراتيجياً واقتصادياً، فالحرب ستنتهي وإن طال أمدها والحساب سيأتي وإن تأخر.
*باحث سياسي في الشؤون الصينية