د. أحمد برقاوي
تقول المعاجم العربية في معنى قرأ: قرأ الكتاب ونحوه، تتبّع كلماته نظراً، نطق بها أو لم ينطق. وقرأ علامات الغضب في وجهه. وقرأ الشيء قرآناً: جمعه وضمّ بعضه إلى بعض. وقرأ الغيب: تكهّن. أمّا قرأ ما بين السطور: فهم الأمر المضمر. وقرأ عليه السلام: أبلغه إيّاه. وهناك معانٍ أخرى لا حاجة لعرضها.
لكن أغلب الناس تواضعوا على معنى قرأ بارتباطها بقراءة الكتاب والمجلة والجريدة والرسالة.
غير أنّ من يستمع إلى خطاب أو محاضرة أو بودكاست أو يوتيوب أو مسرحية أو فيلم أو أيّ نوع من النقاش فإنه، من الناحية العملية، يقرأ بسمعه.
ولقد وفّرت وسائل التواصل الاجتماعي حقولاً كثيرة للقراءة السمعية، وليس هناك اختلاف كبير بين قراءة المكتوب وقراءة المسموع إلا، اللهم، في نوع القرّاء ونوع منتج المقروء.
فعدد قرّاء الكتاب لا يُقارن بعدد قرّاء برنامج سمعي. فأشهر الكتّاب لا تطبع دار النشر لهم أكثر من ثلاثة آلاف نسخة، وقد تحتاج هذه الطبعة إلى سنوات كي تنفد.
أجل، لقد وفّرت الوسائل السمعية على وسائل التواصل الاجتماعي لعدد كبير من الناس، على اختلاف ثقافاتهم، فرصةً لكل أنواع القراءة.
ثقافات الناس هي التي تقرأ سمعاً أو عيناً، والملاحظ أن التعليقات على المقروء سمعاً تكشف كل الانزياحات ودرجات الثقافة والمواقف التي تبدأ بالمدح وتنتهي بالذم والشتيمة.
ولما كان الناس أصنافاً وأنواعاً، وصار بمقدور الجميع قراءة المسموع، فالذي يقرأ هو: ذكاؤه الذي يقرأ، غباؤه الذي يقرأ، جهله الذي يقرأ، معرفته التي تقرأ، انحيازه الذي يقرأ، تعصبه الذي يقرأ، عنصريته التي تقرأ، أيديولوجيته التي تقرأ، انفتاحه الذي يقرأ، كرهه لكاتب النص الذي يقرأ، حبه للكاتب الذي يقرأ، حسده الذي يقرأ، غبطته التي تقرأ، شغفه بالقراءة هو الذي يقرأ.. فتأمل كم قراءة تنتج عن هؤلاء القرّاء؟
ولكن أخطر القرّاء السمعيين على وسائل التواصل هم المنتمون إلى التعصب الرعاعي، كالتعصب القومي العنصري، والتعصب الديني الأصولي، والتعصب الطائفي، والتعصب العرقي. فهذه الأنماط من القرّاء لا علاقة لهم بمفهوم القراءة بوصفها كشفاً وحواراً ومعرفة، ولهذا تجد ردود فعلهم على المقروء الذي يخالف تعصبهم شتماً وردحاً بالكلمات البذيئة، وتعدّياً غريباً على الكتّاب الذين لا قدرة لهؤلاء المتعصبين على فهم نصوصهم.
ينطوي العقل المتعصب على صفتين أساسيتين: الأولى فقر معرفي وأخلاقي، والثانية الانغلاق الكامل أمام منطق الواقع.
فالفقر المعرفي يمنعه من الفهم، لأن أحد أهم شروط القراءة السمعية أو البصرية أن يتوافر القارئ على معرفة تساعده على الفهم.
يظهر مؤرخ شهير على شاشة البودكاست، أمضى عقوداً من الزمن في دراسة تاريخ العرب، ويرجع إلى الوثائق بلغات متعددة وإلى فن العمارة وإلى كتب المؤرخين، مستخدماً المنهج النقدي التاريخي ويتحدث بلغة العالم، فيعلّق متعصب جاهل على قوله شتماً.
وأخلاق القراءة لا تنفي الاختلاف، بل تخلق قاعدة للحوار، والحوار بدوره يجب أن يتأسس على معرفة. لكن صاحب الفقر الأخلاقي لا علاقة له بالحوار وآداب الحوار وغايته.
أما العقل المغلق أمام منطق الواقع فهو أخطر علة عقلية يصاب بها المتعصب. فمنطق الواقع هو التغير والصيرورة والجديد والتجديد. فنسيان منطق الواقع من قبل العقل المغلق يقوده إلى التفكير برغباته وخيالاته اللامعقولة. وهذه العلة في الخطاب الشفاهي سرعان ما تخلق حالة الشجار حول الماضي البعيد، وكأن الماضي البعيد حاضر أو قابل لأن يعود.
وأسوأ أنواع القراءة السمعية والعينية قراءة المنحاز الأعمى للباطل والشر الذي يقيم علاقة طلاق مع الحقيقة.
فحين يطرح محاور على شاشة التلفزيون سؤالاً لمحلل استضافه: ما هي قراءتك لإطلاق الصواريخ الإيرانية على دول الخليج العربي؟فالمذيع لأسباب مهنية لم يعط صفة ما لهذه الواقعة. المنحاز الأعمى للمعتدي لم يقرأ الواقعة على حقيقتها بوصفها عدواناً أحمق على دول الجوار التاريخية، بل قدم انحيازه المُسبّق للمعتدي وراح يبحث عن المبررات الكاذبة لانحيازه وفعل العدوان. إنه إذاً لم يقرأ.
وشتان بين الانحياز الأعمى للشر، وخاصة الانحياز الأيديولوجي، من جهة، والانحياز الأخلاقي للحقيقة الواقعية، من جهة ثانية.
ولعمري، إن القراءة السمعية للعقل الأيديولوجي التعصبي المغلق، التي تخاطب عبر وسائل التواصل بما يجب أن يكون دون أي إمكانية قائمة في رحم الواقع، ليست سوى نمط من الاغتراب السيئ.
وسائل يسأل: هل هناك مخرج من هذه الحال المضرّة بالوعي الشعبي؟ أجل، هناك ما يمكن أن أسميه استراتيجية تشكيل الوعي الثقافي التي تحتاج إلى مؤسسات تضع نصب عينيها تقديم الخطاب العقلي الواقعي باستمرار للقارئ السمعي، وتوفير النخبة التي تجترح لغة قابلة لأن تدخل العقول من دون صعوبة.