الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

التضامن العربي بين حلمٍ متقدم وواقعٍ متراجع

3 مايو 2026 00:17 صباحًا | آخر تحديث: 3 مايو 00:19 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
لم يعد المشهد العربي يحتمل التخفيف في الوصف أو المجاملة في التحليل، فما نعيشه اليوم من تراجع في الفعل السياسي العربي أمام الاعتداءات الإيرانية المتصاعدة على دول الخليج، وفي مقدمتها دولة الإمارات، يكشف عن فجوة خطِرة بين تاريخٍ عربيٍ مشرّف في التضامن، وواقعٍ متردٍ لا يليق بأمة صنعت أمجادها حين توحّدت إرادتها، إن المثقف العربي، وهو يقرأ هذا المشهد، لا يرى مجرد غياب موقف، بل يرى غياب روحٍ كانت يوماً قادرة على أن تحرّك الجيوش، وتوحد الصفوف، وتفرض احترام العرب على العالم، وما يحدث اليوم يؤكد أن الخلل لم يعد في حجم التهديدات، بل في حجم الاستجابة، وفي قدرة النظام العربي على أن يكون على مستوى اللحظة التاريخية التي تُختبر فيها إرادة الدول ومواقفها.
من يقرأ التاريخ العربي الحديث يدرك أن الأمة لم تكن يوماً عاجزة عن التضامن حين تتوفر الإرادة. فقد شكّلت مرحلة التحرر الوطني في مصر والمغرب العربي والسودان والجزائر وتونس وليبيا نموذجاً مبكراً لما يمكن أن يحققه العرب حين تتقاطع إرادتهم السياسية مع شعورهم بوحدة المصير. دعمت مصر حركات التحرر في المغرب العربي سياسياً وإعلامياً وعسكرياً، وكانت إذاعة (صوت العرب) منصة تعبئة عربية جامعة، تُذكّر بأن الأمة قادرة على أن تتكلم بصوت واحد، وقدّمت الجزائر وحدها أكثر من مليون شهيد في ثورتها ضد الاستعمار، بدعم عربي واسع، لتصبح رمزاً للصمود العربي المشترك.
وفي الخليج، شكّلت مرحلة ما بعد الاستقلال نموذجاً آخر للتكافل العربي، فقد دعمت الدول العربية قيام دولة الإمارات، وساندت الكويت في مواجهة الاحتلال العراقي عام 1990، ووقفت دول الخليج مع لبنان في إعادة الإعمار، ومع الأردن في أزماته الاقتصادية، ومع مصر في لحظات التحول الكبرى، وقدّمت دول الخليج مجتمعة أكثر من مئة مليار دولار في شكل مساعدات عربية خلال العقود الثلاثة الماضية، وفق تقارير التنمية العربية.
وحين يعود المثقف العربي إلى ذاكرة التاريخ القريب، يجد مثالاً بالغ الدلالة على قدرة العرب على الفعل الجماعي حين تتوفر الإرادة السياسية، ففي عام 1961، وعندما أعلن الرئيس العراقي عبدالكريم قاسم نيّته ضم الكويت بالقوة، واجهت المنطقة واحدة من أخطر أزماتها، سارعت بريطانيا إلى إرسال قواتها لحماية الكويت، لكن الموقف العربي لم يتأخر، فقد تحركت جامعة الدول العربية بسرعة لاحتواء الأزمة، وأصدرت قراراً بإرسال قوات عربية مشتركة لتحل محل القوات البريطانية. وصلت إلى الكويت قوة عربية قوامها نحو ثلاثة آلاف جندي من مصر والسودان والأردن وتونس، لتؤكد أن العرب قادرون على حماية بعضهم حين تتوحد الإرادة.
هذا التاريخ المشرق يجعل ما نشهده اليوم أكثر إيلاماً، فبينما تتعرض دول الخليج العربي لاعتداءات إيرانية ممنهجة، تكشف الأرقام حجم الخطر، فقد شهدت دول الخليج منذ فبراير 2026 ما مجموعه أربعة آلاف وثلاثمئة وواحد وتسعين هجوماً إيرانياً، كان نصيب الإمارات منها أكثر من ألفي هجومٍ خلال فترة التصعيد الغادر، شملت صواريخ باليستية وصواريخ كروز وطائرات مسيّرة، واستهدفت مطارات مدنية وموانئ حيوية ومنشآت نفطية ومناطق سكنية.
ورغم هذا العدوان الممنهج، جاءت المواقف العربية مترددة أو رمزية، لا ترتقي إلى مستوى التهديد. وهذا التراجع لا يعبّر فقط عن ضعف سياسي، بل يكشف عن خلل بنيوي في منظومة العمل العربي المشترك، لقد دعمت الإمارات، سياسياً واقتصادياً وإنسانياً، كل المؤسسات العربية، وأسهمت في استقرار دول عديدة، وكانت دائماً في مقدمة من يمدّ يد العون حين يشتد الخطب، ومع ذلك حين واجهت اعتداءات مباشرة تهدد أمنها القومي، لم يظهر التضامن العربي بالمستوى الذي يليق بتاريخ الأمة ولا بحجم الدور الإماراتي.
وهنا تتجلى رؤية المثقف العربي، الذي يرى أن ما يحدث اليوم يؤكد مقولة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، بأن الدول لا تُقاس بكثافة سكانها، ولا باتساع مساحتها، ولا بحجم دخلها القومي، بل تُقاس بمواقفها، وقد أثبتت الإمارات أنها دولة مواقف، دولة حضور، دولة فعل، دولة لا تتردد حين يتعلق الأمر بكرامة الإنسان أو استقرار المنطقة أو حماية المستقبل.
لكن هذه الحقيقة تضع سؤالاً صعباً أمام النظام العربي: أين هي مواقف المؤسسات العربية حين تتعرض دولة عربية لعدوان مباشر؟ ولماذا تبدو المنظمات العربية عاجزة عن تحويل الخطر إلى موقف جماعي؟
إن اللحظة الراهنة تتطلب إعادة بناء مفهوم التضامن العربي على أسس جديدة، تستلهم لحظات القوة في التاريخ العربي، وتتعامل بجدية مع التهديدات الراهنة، وتدرك أن أمن الخليج هو الركيزة الأساسية للأمن العربي، وأن الاعتداء على الإمارات أو عمان أو السعودية أو قطر أو البحرين أو الكويت هو اعتداء على المنظومة العربية بأكملها.
ولكي تستعيد الأمة قدرتها على الفعل، لا بد من إصلاح جذري للمنظمات العربية، وفي مقدمتها جامعة الدول العربية.

logo اقرأ المزيد

المقالة التالية

الاكثر قراءه